نضجتُ قبل أواني والفؤاد صبي.
وشبَّ بي الشيبُ والخفَّاقُ لم يشِبِ
ما بين سبعٍ وهذي الأربعين وما
أرحتُ نفسيَ بين الكدِّ والتعبِ
عاصرتُ كل فصول الناس من صِغَرٍ
وفرَّق الشيبُ بين الصدقِ والكذبِ
ما خيَّب الله ظني فيهم أبدا
وبي ظنُونُهم والله لم تخبِ
أنا الذي صان بالأخلاق ودُّهُمُ
وَشَيَّدَ السورَ بين الحِلمِ والغضبِ
وكم رُويتُ سُلافاً في مجالسهم
وعُدتُ بالخمر لمَّا جِئتُ بالعِنَبِ
ما كان يجمعنا صِهرٌ ولا نَسبُ
بلِ الكرامةُ أمي والإباءُ أبي
وقد ألانَ ليَ الله الحديدَ وكم
شكلته قطعاً بالماءِ واللهبِ
ولم أجد في الذي قد مرَّ بي أبدا
أقسى من الظلم لما جار ذو الرُتَبِ
وكم رصصتُ زجاجاً لا عداد له
كما تُرَصُّ سماء الكون بالسحبِ
وما رأيت كسوراً لا انجبار لها
كمثلِ مَن كسرَ المحتاجَ بالطلبِ
إنَّ الحياةَ لملأى بالدروس وكم
فيها من الدرِّ ما لم يأت في الكتبِ
وليس من رصَّعَت أقلامُهُ أدبا
كمن تفاخر بين الناس بالذهبِ