تخطَّ إلى المحتوى

مدينتنا تؤرق ليلها نار بلا لهب

غير معروف

٩٢ بيت

المتفرقات

مدينتنا تؤرّق ليلها نار بلا لهب

تحمّ دروبها والدّور ثم تزول حمّاها

ويصبغها الغروب بكل ما حملته من سحب

فتوشك أن تطير شرارة ويهب موتاها

صحا من نومه الطينيّ تحت عرائش العنب

صحا تموز عاد لبابل الخضراء يرعاها

وتوشك أن تدق طبول بابل ثم يغشاها

صفير الريح في أبراجها وأنين مرضاها

وفي غرفات عشتار

تظل مجامر الفخار خاوية بلا نار

ويرتفع الدعاء كأن كل حناجر القصب

من المستنقعات تصيح

لاهثة من التعب

تؤوب ألهة الدم خبز بابل شمس آذار

ونحن نهيم كالغرباء من دار إلى دار

لنسأل عن هداياها

جياع نحن واأسفاه فارغتان كفّاها

وقاسيتان عيناها

وباردتان كالذهب

سحائب مرعدات مبرقات دون إمطار

قضينا العام بعد العام بعد العام نرعاها

وريح تشبه الإعصار لا مرّت كإعصار

ولا هدأت ننام ونستفيق ونحن نخشاها

فيا أربابنا المتطلعين بغير ما رحمة

عيونكم الحجار نحسّها تنداح في العتمة

لترجمنا بلا نقمة

تدور كأنهن رحى بطيئات تلوك جفوننا

حتى ألفناها

عيونكم الحجار كأنّها لبنات أسوار

بأيدينا بما لا تفعل الأيدي بنيناها

عذارانا حزاني ذاهلات حول عشتار

يغيض الماء شيئا بعد شيء من محيّاها

وغصنا بعد غصن تذبل الكرمة

بطيء موتنا المنسلّ بين النور والظلمة

له الويلات من أسد نكابد شدقه الأدرد

أنار البرق في عينيه أم من شعلة المعبد

أفي عينيه مبخرتان أوجرتا لعشتار

أنافذتان من ملكوت ذاك العالم الأسود

هنالك حيث يحمل كل عام جرحة الناريّ

جرح العالم الدوار فاديه

ومنقذه الذي في كل عام من هناك يعود بالأزهار

والأمطار تجرحنا يداه لنستفيق على أياديه

ولكن مرّت الأعوام كثرا ما حسبناها

بلا مطر ولو قطرة

ولا زهر ولو زهرة

بلا ثمر كأنّ نخيلنا الجرداء أنصاب أقمناها

لنذبل تحتها ونموت

سيدنا جفانا آه يا قبره

أما في قاعك الطيني من جرّة

أما فيها بقايا من دماء الرب أو بذره

حدائقه الصغيرة أمس جعنا فافترسناها

سرقنا من بيوت النمل من أجرانها دخنا وشوفانا

وأوشابا زرعناها

فوفّينا وما وفى لنا نذره

وسار صغار بابل يحملون سلال صبّار

وفاكهة من الفخّار قربانا لعشتار

ويشعل خاطف البرق

بظل من ظلال الماء والخضراء والنار

وجوههم المدوّرة الصغيرة وهي تستسقي

فيوشك أن يفتّح وهي تومض حقل نوار

ورفّ كأنّ ألف فراشة نثرت على الأفق

نشيدهم الصغير

قبور إخوتنا تنادينا

وتبحث عنك أيدينا

لأن الخوف ملء قلوبنا ورياح آذار

تهز مهودنا فنخاف والأصوات تدعونا

جياع نحن مرتجفون في الظلمة

ونبحث عن يد في الليل تطعمنا تغطّينا

نشد عيوننا المتلفقات بزندها العاري

ونبحث عنك في الظلماء عن ثديين عن حلمة

فيا من صدرها الأفق الكبير وثديها الغيمة

سمعت نشيجنا ورأيت كيف نومت فاسقينا

نموت وأنت واأسفاه قاسية بلا رحمة

فيا آباءنا من يفتدينا من سيحيينا

ومن سيمةت يولم لحمه فينا

وأبرقت السماء كأن زنبقة من النار

تفتح فوق بابل نفسها وأضاء وادينا

وغلغل في قرارة أرضنا

وهج فعرّاها

بكل بذورها وجذورها وبكل موتاها

وسحّ وراء مارفعته بابل حول حماها

وحول ترابها الظمآن من عمد وأسوار

سحاب لولا هذه الأسوار رواها

وفي أبد من الإصغاء بين الرعد والرعد

سمعنا لاحفيف النخل تحت العارض السحّاح

أو ماوشوشته الريح حيث ابتلت الأدواح

ولكن خفقة الأقدام والأيدي

وكركرة وآه صغيرة قبضت بيمناها

على قمر يرفرف كالفراشة، أو على نجمة

على هبة من الغيم

على رعشات ماء قطرت همست بها نسمة

لنعلم أن بابل سوف تغسل من خطاياها