خطبٌ ألمَّ فآلمَ الإسلاما
فإلام[ا] نحسُ المسلمين إلاما؟
يا أيها القدرُ المطلُّ على الورى
أقضيتَ أن نبقى الزمانَ يتامى؟
خطبٌ تصدّعت القلوبُ لهوله
وسقى النّفوس من المرارة جاما
خطبٌ تذوب له الجوانحُ لوعةً
وعلى الأسى ضمَّ الحشا آلاما
خطبٌ تخرّ الشامخاتُ لذكره
مات الإمام فهل ترون إماما
مات الذي لو مُدّ في أيامه
لأمدّ دينَ محمّدٍ وأقاما
في الله عمر قد طواه مجاهدًا
بدعًا لقوم قلّدوا الأوهاما
قوّالُ صدقٍ مظهرًا لحقائق
تُعيي العقول وتُعجز الأفهاما
حتى تنفّس فضلُه وتنافستْ
فيه البلادُ وأوطأته الهَاما
متنقلاً كالنيّرات لضوئه
تعشو عقولٌ تشتكي الإظلاما
كم حلّ في بلدٍ فأعتد أهله
منهم سويداء القلوب مقاما
بتزاحمون على موارد فضله
حتى أعلّ وأنهل الأحلاما
فاضت عليهم من غمائم علمه
ديمٌ عليها كم حسدنا الشّاما
أضحى لمصر عليه وجهٌ عابسٌ
بالأمس كان به لنا بسّاما
شقّت عليه جيوبَها ولطالما
لبستْ به حللاً زهتْ ووساما
واستعبرتْ عينًا عليه قريحةً
حزنًا وكم قرّت به أعواما
واستنكرْت شمسَ النهار مضيئةً
وتخيلتْ بدرَ الضياء ظلاما
فكأنما ثكلتْ بنيها كلّهم
وبنت لهم بين التراب رجاما
يا مصرُ إيهٍ إن خطبَكِ فاجعٌ
فيه العزاءُ يجدّد الإيلاما
مات الذي بكت المعالي فقدَه
وغدت لذاك المكرماتُ أيَامى
مات الذي قد كان مطلعَ حكمةٍ
في الشّرق يبهرُ نورُها الأقواما
غربت فليس لها طلوعٌ بعده
ما كان أبهى نورَها أيّاما
مرّت فما مُرُّ الحياة بمنقضٍ
حتى نلاقي بين ذاك حماما
أستودع العبرات طرفًا كلّما
قلّبتُه خال الأنام نياما
لا همّةَ تُرجى وليس مروءةٌ
ماتا ومات أبوهما فسلاما
أمحمدٌ إن ضمَ لحدُك أعظما
فلك الجوانح ضمّت الإعظاما
أو وسّدوك من التّراب فأنت في
كل النفوس مُوسدٌ إكراما
أو سنّموا قبرًا غربتَ خلاله
فلك المظاهر غاربًا وسناما
أو غاب شخصك في الثّرى متحجبًا
فمثالُه بين المآثر قاما
هم أسلموك إلى التّراب وأغمدوا
في القبر منك الصارمَ الصمصاما
ثم انثنوا يبكون فيك مناقبًا
عنها تقاصر من بنى الأهراما
بأسٌ يُزيلُ الراسياتِ ثباته
وعزيمةٌ فوق السماك مراما
رأيٌ كأن الصبح بعضُ سنائه
وكأن طيُّ ضميرك الإلهاما
لسِنٌ يصوغ النيِّراتِ بيانُه
حججًا يمزّق نورها الإبهاما
قلمٌ يَرُوعُ الحادثاتِ صريفُه
إن جال تخشاه الصروف خصاما
في حكمةٍ سقراطُ يصغر دونها
تأبى لغيرك أن تميط لثاما
أمحمدٌ طوقتَ دين محمد
مننًا تقبَّلها الإله جِساما
فنصرته وخذلت «هانوتو» وما
أعلنتَ حربًا أو أخفتَ سلاما
ورميتَ عن قوسٍ يراه محمدٌ
فرشقتَ مهجة عائبيه سهاما
وكشفتَ للدينين سرَّ حقائقٍ
فكشفتَ عيبًا أكمنوه وذاما
تبكيكَ آياتُ الكتاب وكم بكت
لله ممن ضللوا الأفهاما
عرفتْك تدري للنبي مكانةً
عرفتكَ تدري للإله مقاما
فجلت لك الأستارَ عن أسرارها
واستخلصتْك على الهدى قوّاما
فجلوتَ أحكام الكتاب على النهى
وأريتَنا الإعجاز والأحكاما
يبكيكَ علمُ قد رفعتَ مناره
ونشرتَ في عليائه الأعلاما
جددتَه وأقمتَ منه معالما
كانت تَقسَّمها البلى أقساما
أمست تتيه على الزمان صروحه
إذ أرغمتْ أنفَ العدا إرغاما
غادرته فرمت شوامخَ عزةٍ
نوبٌ يصير لها المشيدُ رغاما
فكأنه وكأن أمسًا لم يكن
وكأنما رأت العيون مناما
أمحمدٌ قد قمتَ بين عشيرةٍ
كمحمدٍ في قومه إذ قاما
تدعو إلى النهج القويم وتبتغي
بالخاملين إلى الرقيِّ قياما
فتحملوا الأوزار فيك وسودوا
منها صحائفَ دينهم أرقاما
ما أنقصوا فضلاً يزيدك رفعة
كلا ولا خلنا الكلام كلاما
إن الفضائل إن طهرن عظائما
لقي العظيم بقدرهن خصاما
أمحمدٌ ناديتُ كل محمدٍ
فوجدتُ بعدك من دعوتُ نياما
أدعو الوفا أدعو المروءة لا أرى
بالدار بعدك في الحلال كراما
من للأرامل بعد برِّك عائلا
يرعى ويكفل جوده الأيتاما؟
ما راقهن ندى يديك هنيهةً
حتى أرقنَ لك الدموع سجِاما
ضاعت رغائبُ أمةٍ خلفتَها
نبتًا فلم يسقَ النبات غماما
ماتت لموتك وانطوت آمالها
وغدت كما مدَّ الكرى أحلاما
يا ليت نفسي قد فدتك وعندها
ذممٌ لفضلك أو تفيك ذماما
تبكيك عينٌ كنتَ في إنسانها
فردًا جمعتَ العالمين تماما
ما مثلُ خطبك في الخطوب فإنه
خطبٌ غدا للفاجعات ختاما
أمحمدٌ حلَّ الضريحَ معاشرٌ
نثروا الدموع وأبّنوك قياما
وقفوا أمامك خشَّعًا أبصارهم
بين الجلال مطَأطئين الهاما