ولمّا رأيت الفضل طاحت مكاسبُهْ
وقامت عليه بالنواح نوادبُهْ
ولم يبقَ إلا إسمُه ورسومه
وعُزّيت فيه حين عزّت مطالبه
جرى الدمع من عيني لذاك وإنه
يحقّ لها تهمي عليها سحائبه
فأضحت به الأنهار تجري بمدّها
بمدراره منهلّ دمعيَ ساكبه
كذا زَفَراتي بالتصاعد تارةً
فيطفئها جمر الرسيس ولاهبه
بكيتُ فأبكيت الفضائل والعلا
على أهلها والإلفُ يُبكيه صاحبه
وما ذاك إلا أن أهاج لها البكا
بكائي لِما لم يبقَ في العلم راغبه
وقفتُ على أطلاله ورسومه
وقد ذهبت غزلانه ورباربه
فقلت وقد أوجبت سَعْيَ اطّلابه
عليّ ولو ضاقت عليّ مذاهبه
بَليتُ بِلَى الأطلال إن لم أقف بها
وقوفَ محبٍّ فارقته حبائبه
سأطلبه بالجدّ والجهد سائلاً
لربّيَ تيسيرَ العسير مطالبه
وحسبي به عونًا فمن كان عونُه
ستُقضَى له حاجاته ومآربه
ولكنّ نفسي لم تطب بانفرادها
بخوضيَ بحرَ العلم إن فرّ هائبه
سيسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ
إذا اضطربت بي موجه ومراكبه
أخي وخليلي من أرجّي قبولَه
لنصحي له إذ حقّ عنديَ واجبه
وكيف تراني مُهمِلاً لوداده
بأنيَ لم أنصحه إن لم أعاتبه؟
بلى إنه في القلب قد حلّ منزلاً
قرارًا مكينًا لا تزول مَضاربه
فليس يطيب العيش لي أو أرى أخي
يغالبني طورًا به وأغالبه
أيا فاضلاً لا يهمل النصح دائمًا
تَأسّفْ على ما فات في العمر ذاهبه
لقد ضاع عمرٌ ساعةٌ منه إن تُرد
شِراها بملء الأرض تَعْيَ مذاهبه
أترضى بعيشٍ للعوام وعيشُهم
معايشُ أنعامٍ بلى أنت عائبه
ألستَ من القوم الذين همُ همُ
أفاضل هذا البيت بل وأطايبه
وليدهمُ يُرجى لإقرا ضيوفهم
وإقراء علمٍ للتلاميذ جالبه
وأنت الذي قد صرتَ ما صرت فيهمُ
محلُّك من فوق السِّماك مَضاربه
فشمِّرْ لتطلاب العلوم بهمّةٍ
وعزمِ مُجدٍّ لا تكلّ مضاربه
تَجرّدْ لأخذ العلم وارحلْ لأهله
ينيلوك عزًا لا تُرام مراتبه
ونفسَك صبِّرْها عليه فإنما
يفوز بنيل المجد بالصبر صاحبه
بصبر الفتى في كل أمرٍ يرومه
نجاحٌ له والصبرُ تُرضى عواقبه
ولا تحسبِ الدنيا جميعك إنها
لأهونُ من هذا الذي أنت واهبه
وكيف وأنت الحرّ أن تسترقّ أو
تُباع ببخسٍ تافهٍ أو يقاربه
فيا درّةً بين المزابل أُلقِيَتْ
ويا صفقةَ المغبون فيما انت جالبه
إذا كان رأس المال عمرك لا سوى
فأنفقْه في أعلى الذي أنت طالبه