جلست غيمة إلى القمر ذات ليلة تهمسُ في أذنه همسة بعد الأُخرى تناجيه مناجاة الحبيب حبيبه، تلصصت لأطرافِ سماءه، فما وجدت غيمة غيرها، فاستطابت ذلك، غارت، فخبأت القمر خلفها، وأخذت بالحديث، تقول:
أيا حبيباً لطالما انعكستَ بتجلياتك عليَّ، أرقبك الليل كله، حتى إذا ابتلعكَ ظلام النور تحرقت نفسي من شوقها إليك، وضاقت عليَّ حتى أبغضت القريب والبعيد لبعدك، وأظلُ كذلك إلى أن أرى تجليك بكل عظمة نورك تطلُ مع الليل، يسبقك إلى الشمس فيبتلعها مهيأً لجلالِ نوركَ موطأً في سمائك العالية، إلى أن تتوسطَ كبد السماء، وعيني شاخصةٌ إليك، أحبُ كل شيءٍ لأجلكِ، وأرى انعكاس نورك المهيب على كل شيء، نور نقي ساحر، وكنتُ لوقتٍ مثلهم ما لي منكَ إلي انعكاس النور المهيب، وكنتُ أسعدهن به، فلا يغشاني حتى أخالني صرت السماء والأرض، فدفنتُ كل حزنٍ في أرضي وارتقيتُ بكل السَعدِ إليكَ، وكنتُ أرضى بذلكَ مذُ عرفتُ الدنيا إلى اليوم الذي كنتَ أنتَ أنتَ بهياً عليَّ بذاتك الجليلة أراكَ آثرتني بكَ ووسع من هم حولي نورك، فيا قمراً نازعتني إليكَ نفسي في الأرض، ما زلتُ أسعى إليكَ سعي الميت في الحياة حتى أدركتك! فها أنا اليوم وقد اكتنفتنا سماء واحدة، وها أنا اليوم وقد صِرتُ لحافاً عليك فلا أبأسُ برؤيتِك آثرتَ غيري علي..
أيا قمري... ما حالك وقد جمعتنا المقادير رغم أنف السنين؟ ما حالك وقد جُعلتُ بين يديك من ألف ألف غيمة! ما حالك وقد اصطفتني السماء اصطفاء العروس لؤلؤ صدرها؟
فتالله ما حالك بأسعد من حالي وقد حزتُكَ فرداً وحزتني من ألف ألف، فأنا المغبوطة بك، وأنا السيدةُ عليك، وأنا الوحيدة بين جنبيك، وأنا الغيمة الأشدُ ضنّاً بك من ضنّها بنفسها مرة أخرى إلى الأرض، فاشددُ عليَّ أيها القمر فما لي على الصبر طاقة، والوصلُ إن حلَّ البينُ شاقٌ على غيمة ضعيفة مثلي جاهدت بروحها لتصِل، فألا بنورِ الذي أمدكَ بنورك فاشدد علي!
استفاق القمر وقد امتعضَ من كل هذا الضباب حوله، وضاق بنفسه لا يرى نوره على غيره سابغاً مسبلاً، بعدُ فانتبه للغيمة تحاول تقول شيئاً، أنصتَ فانتبه أخيراً بعد جهد إليها تقول "وأنا السيدةُ عليك، وأنا الوحيدة بين جنبيك" وبعدُ ما سِمع إلا جعجعةً وجعجعة، فأشارَ بطرفٍ خفي، مستدعياً ريحاً خفيفة باردة، ليظهر القمر مرةً أُخرى..
بعيداً بعيداً، وعلى نور القمر حبيبٌ يناجي حبيبه يقول: أيا وجه القمر، أما في الوصل سعة لبائسٍ مثلي؟