هذه الذراتُ في الجوِّ تسيحْ
أنا منها في شقاءٍ ونعيمْ
تارةً تذكرُ في النادي الفسيحْ
وأراها تارةً نارَ الجحيم
أنا يا جوُّ تراني في هواكْ
مجمعَ الضدِّ شقيّاً وسعيدْ
أتُراني فيك مُغرًى أو أراك
مغرَمًا تبعثُ لي علمًا جديد
أرسلِ النظرةَ من وادي الأراك
وعلى هامِ مصلاّهُ أصيد
كنت أستنشق قيصومًا وشِيحْ
وبِرَيّا نَدِّهِ كنتُ أهيم
خبرُ العارفِ في الجوّ صحيح
هي آياتٌ لقرآنٍ كريم
حادثاتُ الجوِّ تتلو الحادثاتْ
وعليها نبأُ الكونِ يلوحْ
هي عندي من أجَلِّ الذكريات
وهْي أنسَتْني غَبوقي والصَّبوح
وثَّقتْ تأريخَه عندي الثقات
هكذا فاقتَبلَنْ قولَ النصوح
فقراتُ الكون تأريخٌ فصيح
وعليها شهد العقل السليم
أنبأتْ أمَّتها القول الصريح
كلما مرَّ بريّاها النسيم
رسمتْ مطبعةُ الكونِ حروفْ
فتَلالا لعيونِ الناظرينْ
وتلاميذُ الدجى تلك الصفوف
أنجمًا تسبحُ في ماءٍ معين
وإذا الغيمُ لها دَقَّ الدُّفوف
رقصت للإلْفِ من ذاك الحنين
وغَدَتْ في زَجَلِ الرعدِ تصيح
كلما أزعجَها مشيُ الرَّسيم
أسفرتْ في الأفْق عن وجهٍ مليح
فتلاشى حولَها القلب السقيم
أنجمٌ ترسبُ في موج الظلامْ
وعلى حاشية الأفْقِ طَفَتْ
أو نديمٌ أشبَهَ البدرَ التمام
قام يسعى بشمولٍ لطفَت
ليَ نفسٌ شربتْ حبَّ السلام
وعلى العليا أراها عطفَت
لست أهوى غيرَ ميدانٍ فسيح
للمعالي وصراطٍ مستقيم
إن قلبي من بني السوءِ جريح
أجديدًا كان أم كان قديم
جَرِّدِ النفسَ عن الخُلْقِ الرَّذيلْ
واحترفْ للنفس أنواعَ الكمالْ
فعلى الإنسان قد قام الدليل
عملاً طورًا وطورًا في مَقال
ماؤنا كان لدينا السلسبيل
فعلامَ اليوم قد أصبحَ آل
كان نهجُ العلمِ نهجَ المستميح
لعلوِّ النفسِ غاياتُ حكيم
هل علا مرتفعًا مثلَ المسيح
أو سرَى يطلب أصحابَ الرقيم؟
أين ذاك العِلْمُ والغربيُّ سادْ؟
وأنا الشرقيُّ لا أهوى الوفاقْ
وتقهقَرْنا وعن نهج السَّداد
مالتِ الأنفس تسعى في شِقاق
نهض الغربُ بتثقيفِ البلاد
وبنى فوق ثريّاه رُواق
أبني الشرق إلى المجد صُروح
يا بني الشرق وهل يرجو النعيم
ألَهُ روحٌ إلى العليا طموح
ومن الجهلِ له الخِلُّ الحميم؟
لا تخلْ أمرَكَ أمرًا مستحيلْ
أيها الشرقيُّ فالناسُ سَوا
فاتّخذْ عن مقتفي النفس بديل
فلقد ضلَّ أخوها وغوى
لا تُضِعْ عمرَك في قالٍ وقيل
واحملَنْ للعلم منشورَ اللِّوا
وارتفعْ مُرْتقيًا مَعْ كلِّ ريح
ومن العلم انتقِ الدرَّ النظيم
واستقمْ في طورِ سيناء النزيح
وأعِدْ ذكْرَ مناجاةِ الكليم