رأسُ الزمان عليك بات مصدَّعا
وفؤاده بِمُدَى رَدَاك تقطَّعا
وعلا من الشَّرق الصياح لَدُنْ هوى
من أُفقِهِ قمر الكمال مزعزَعا
وبكى عليك الغرب يندب سيّدًا
ندبًا خطيرًا بالجلال مقنَّعا
وبكاك كل الناس ثَمَّ كأنه
من دمعهم ما في البحار تجمَّعا
وتقطعت أوصال أهلك حسرةً
وتشوُّقًا وتروُّعًا وتفزُّعا
«حتى كأن لكل عظمٍ رنَّةٌ
في جلدهم ولكل عِرقٍ مدمعا»
وتشاطَرَ القطران آياتِ الأسى
والأرز بعدك بات سهلاً بلقعا
فرَثاك لبنانُ بدمع عيونه
وكذا النُّصيرُ نعى الخطيبَ المصقِعا
وبدا اللسان يضم بين سطوره
آيات حزنٍ تسترقُّ الأدمعا
وتوشَّحَ الأهرام أثواب الأسى
لما الردى أركان مجدك زعزعا
واهتز من صدر المقطم قلبه
لما بنسْج البين وجهَك بَرقعا
وروت لنا الأخبار أنك سيدٌ
ما كنت في غير النهى متدرِّعا
ورثاك بيشونٌ وقال حقيقةً
بِرَداك بات مضيَّعًا ما جُمِّعا
وبأنكم خيرُ القناصل عندهم
وعن اللحاق بكم يقصِّرُ من سعى
وبأن ذكْرك لا يزول على المدى
وبجبهة التاريخ صار مرصّعا
نعمانُ هل تدري الذي يجري بنا
أم أن ذاك العهد راح مضيّعا
نعمانُ إنا لا نزال على الولا
فقلوبنا أضحت لديه خُضَّعا
نعمان لو قُبِل الممات بفديةٍ
لفديتكم وعبدت ذاك المصرعا
نعمان قف قبل الوداع هنيهةً
وارمق شقيقاتٍ بكين توجُّعا
فقلوبهن تمزقت وتقطعت
أحشاؤهن من البكاء تقطُّعا
والفِتْ لحاظك للربوع ترى بها
من كل داهيةٍ سنانًا شُرِّعا
وانظر إليَّ فُدِيتَ لم يُبق الأسى
بي موضعًا إلاّ وفيه تربّعا
وبدا لعيني الشرقُ بعد منيرهِ
غربًا وصار الغرب عندي مطلعا
أبكي أبي فيزيد خطبك حرقةً
عندي فقد كنت الحنون الأروعا
ما الموت إلاّ قوَّةٌ محجوبةٌ
جابت بسالتها النواحي الأربعا
فاعدُدْ لنا أيّان كنت منازلاً
فبغير ربعك عيشنا ما أمرعا
فعليك مني للقاء تحيةٌ
يُذكي لظاها من فؤادي الأربُعا
وإليك مني ما حييتُ مراثيًا
يُجري لها الصخرُ الجمادُ الأدمُعا
ما قال بعدي في رثائك شاعرٌ
رأس الزمان عليك بات مصدَّعا