ليس لليائس في هذي الكرَهْ
وطنٌ ينشد فيه وطرَهْ
فهْو كالتائه في بيدائها
لا يرى إلا حُزونًا مقْفِره
فيوالي السيرَ والأشجان في
صدره تُخفي عليه أثره
فيوالي السير حتى ما إذا
واحةٌ في الأفق شاقت نظره
ومشى يأمل فيها فرجًا
وجد السُبْلَ إليها وَعِره
وهو كالعازف قد جاء إلى
عُودِهِ يشكو إليه حسره
وابتدا حتى إذا اللحن حلا
قطع الدهر لقصدٍ وتره
هندُ يا هندُ اتركيني واذهبي
لا تُرجِّي من غرامي ثمره
وتناسَيْ ما مضى إذ إنني
بتُّ أخشى في هوانا العثَره
كان لي أمسي وقد كنا كغص
نين فيه نَمَيا في شجره
نتهادى بين أحلام الصبا
لا نرى الآمالَ فيها عَسِره
كم أتينا الحب نرجو عَطفه
فتلا الحبُّ علينا سُوَره
وهبطنا الروضَ نجني زهَرَه
فأرانا الحسنُ فيه صُوَره
وسهرنا الليل نشكو حبَّنا
وعهدنا الليلَ يخفي خبره
لم يَرعْنا طوله بل إننا
كلما طال استهنّا سهره
ذاك عهدٌ قد تقضّى بالهنا
آهِ من عهد الهنا ما أقصرَه!
كنتُ لا أنساه لولا أنه
ليس يُجدي الذكرُ حتى أذكره
لا تلوميني إذا هجتُ أسًى
وهجرتُ الدار عن غير كره
أنا مِن أوفى بنيها إنما
هي لا ترعى بنيها البَرره
قد رأيت القوم فيها بعد أن
ثملوا من خمرها المفتخره
وهي لا تنفكَّ عنهم كلما
طلبوا كأساً سقتهم عشره
ورأيت البعض منهم بطروا
إذ أصابوا من هَناها أوفره
ليس بالسعي ولكن عندما
يخدم الحظُّ تزول المقدره
هندُ يا هندُ دعي حبي ولا
تسألي عن كبدي المنفطره
فهي بعد الحب والإخلاص قد
أحرقتْها نارُ قلبي المسعره
سيطرَ الدهرُ عليَّ بؤسُه
ولكَم تُضني الأبيَّ السيطره
فأتيتُ الليل أقضيه أسًى
ساهراً وحدي أناجي قمره
وحلا مَرآه لي حتى إذا
راح قلبي مستلذّاً سمره
ثارتِ الأرياحُ غضبى وأتت
بكثيف الغيم حتى يستره
واستطال الليلُ حتى بعد أن
أشرقَ الدهر عليها سحَره
لم أصدِّقْ نظري بل إنني
كدتُ من فرط الأسى أن أُنكره
ورأتني سربُ الطير فلم
تنثني حتى تولَّتْ مُدبره
أنكرتْ فيَّ نحولاً قد يُرى
في خيالٍ هاربٍ من مَقبره
وحملتُ الكأس أستسقي بها
ما يروّي حرقتي المستعره
ووردت النبع أبغي ماءه
فوجدتُ الماء فيه عكره
ضاقت الدنيا على قلبي الفتى
وورى اليأس بقلبي شرره
فرفعتُ الكأس كي أكسرها
يائسًا من ذي الحياة الكدِره
فإذا بالكأس يُمليها الأسى
من دموعِ العين خمرًا مُسكره
ها كتابُ العمر قد قلّبْتُه
فأراني الدهر فيه عِبَره
فتفجَّرْتُ بكاءً فوقه
فمحتْ عفوًا دموعي أسطره
سوف أقضي العمر في الآتي كما
كنتُ في الماضي أُقضّي أكثره
أرقُمُ الأشجان في الأوراق لا
أنثني حتى تجفَّ المِحبره
كلُّ إنسانٍ له من دهره
قسمةٌ تتبعه مستأثره
فلْيُطعه فهْو إن يسخط فلي
سَ يردُّ السخطُ ما قد قدَّره