أرضنا موطن كل القادمين
أرضنا مضمار كل العاملين
هي محراب لقوم أتقياء
هي ملهى للعصاة العابثين
وسعت أرجاؤها كل الورى
وطّأت أكتافها للنازلين
لم تضق ذرعاً بهم إذ أقبلوا
لم ترق دمعاًعليهم ذاهبين
وسواء عندها أبناؤها
من يكن براً ومن في الفاسقين
تغدق العطف عليهم كلهم
تمنح الخير بنيها أجمعين
لا أراها تعدل القسمة في
هم برفد بل تحابي المفسدين
هي سوق كثرت خيراتها
فتحت أبوابها للداخلين
وأتاها الناس في حاجاتهم
ومضى الحراس عنها نائمين
فأناس حاسبوا أنفسهم
وأناس ظلوا فيها راتعين
وإله السوق فياض العطاء
يترع السوق لكل الآخذين
خالق الكون عظيم شأنه
هو رزاق وخير الحاسبين
فنجا من دان فيها نفسه
عاد بالخسران جمع المسرفين
لا أرى عيشي فيها مرضيا
في بعاد عن رجال صادقين
فهم الأصحاب في هذا الوجود
من يعش منهم ومن في العابرين
وكفتني شرفاً صحبتهم
أسعدتني جلسات الراحلين
لا يكون الموت يوماً حاجزاً
بين قلبي وقلوب العارفين
لا يواري القبر إلاّ جسداً
من أديم الأرض من ماء وطين
وحصاد العمر يبقى فاعلاً
في حياة من هدى علم ودين
ورجال اللّه باقٍ فضلهم
بعد موتٍ إنّهم في الخالدين
في عمارِ الأرض بادٍ جهدهم
في هدى الناس لهم فتحٌ مبين
زهت الدنيا بهم آونةً
وبهم تفخر حيناً بعد حين
عشتُ في دنيايُ عمراً واحداً
وبهم عشتُ حياة الأكثرين
عمري أعوامه معدودة
معهم أصبح ألفاً ومئين
عمري كان عناء وشقاء
بينهم آل لسعد وحنين
عشتُ عمراً في البوادي تارةً
في الصعاليك عفاةً ناقمين
نركب الصعب ونمضي قدماً
لا تسلني كيف عيش التائهين
تارة أخرى أراني جالساً
في حمى صيد كرام موسرين
نشرب الشعر نميراً صافياً
نبهج الروح بشدوِ المنشدين
حولنا الصحراء سحرٌ وفتون
صدرها الرحب مهاد الحالمين
جوها الأخّاذ يغري الشعراء
عطرها النفّاذ يغوي العاشقين
ظهرها موطن جود وسخاء
موئل الخير ملاذ الخائفين
جوفها مخزن تبرٍ وعطاء
كتمت أسرارهاعبر السنين
هي بحر من رمال ماؤه
موجه الكثبان والنوق سفين
أنت ياصحراء أم برة
كنتِ يا بيداء ظئر المرسلين
كنت يا فيحاء أماً مرضعاً
بلبان العز تسقي الأولين
أنت يا أمّ رؤوم حلبك ال
يوم درٌّ ونماء ومعين
ومضى العمر بنا ثانية
في صفاء بين قوم مؤمنين
لا نرى إلاّ رجالاً صدقوا
عهدهم لله جنداً مخلصين
فإذا المجد بناء شامخ
وإذا العز لهم ملك اليمين
قد تسامى ما بنوه ولقد
أبدعوا كانوا بناة ماهرين
لا بفنٍ أو بعلمٍ في البناء
بل بصدق وثبات ويقين
أمتطي اليوم جيادي هارباً
من زماني من وجوه الملحدين
هائماً في البيد حتى لا أرى
فوق قبر المجد ناساً خانعين
وتركت الناس خلفي باحثاً
في الفيافي عن رفاقي الأقدمين
عن صعاليكي وعن أجيالهم
عن رجالي السادة المستبسلين
آنستني نارها في وهجٍ
نار موسى فيه لا نار اللعين؟
نار خير وسلام وسخاء
هكذا الله يثيب المحسنين
أين نار القوم من نار الإله
إنّ ربي هو خير الرازقين
كيف صارت لأناس نعمةً
ثم صارت نقمةً للآخرين
لا تسل عن سرها في عجبٍ
إنها تدبير خير الخالقين
شع في الصحراءبالأمس هدىً
لم تزل أنواره في الراشدين
مهد نور ومنارللضياء
وبكل سترانا نافعين
خرجت صحراؤنا عن صمتها
أنشدت أشعارها للسامعين
بلسان من لهيب لاذعٍ
ببيان كبيان النابغين
أطرب الصوت أناساً فأتوا
من بعيد عجلاً مستبشرين
فرحة الصحراء لا حد لها
وشهود الحفل كل القادمين
وقراها كقرى ابنائها
حفَّل بالخير يشفي الآكلين
قد حضرنا جانباً من حفلها
فرأينا ما يسر الناظرين
ثم عدنا وتركنا خلفنا
زهرة العمر ولسنا نادمين
سيظل القلب مشغولاً بها
ما بقينا في حمانا سالمين
لك يا بيداء حبي أبداً
وسأبقى في عداد الشاكرين
دمت ياصحراءجيلاً بعد جيلٍ
في حمى الله وفي عز البنين