حمدًا لمن أظْهَرَ في الوجودِ
محمدًا ربَّ الندى والجودِ
أرسله بمُحْكَمِ الكتابِ
فأرشدَ الخلقَ إلى الصوابِ
صلّى عليه اللهُ ما جنّ الدُّجا
أو ظَهَر الفضلُ لأرباب الحِجا
وبَعدُ فالسياسُة الملكيّهْ
موجبةٌ للسيرِ بالحريّهْ
وقد رأيت الناسَ في التمدّنِ
مختلفي الآراء في التفنّنِ
إذ جعلوه اسمًا لكل فِسْقِ
قد عَدَلوا عن اتّباع الحقِّ
ووصَّفوا الفسوقَ بالحريهْ
إذ تركوا صفاتها المرضيّهْ
وقد دعاني بعضُ إخواني إلى
تحقيقِ معناها الذي قد جهلا
فقلتَ لبيكَ مجيبًا للطلبْ
تأديةً لما عليّ قد وجبْ
فهاك منها جملاً نظمتُها
لآل مصرَ سادتي أهديتُها
ملتزمًا سهولةَ الألفاظِ
ليسهلَ الأمرُ على الحُفّاظِ
والله أرجو المنَّ بالقبولِ
فإنه لي غاية المأمولِ
إن التمدّن الذي فينا اشتهرْ
في الأصل سُكْنى كلّ مصرٍ معتبرْ
فإنه الجامعُ للأحوالِ
مهذّبُ الطباعِ والخصالِ
وبعد ذاك أطلقوه عُرْفا
على جميع ما يحوز اللطْفا
من الفعالِ أو من الطبائعِ
ليس على العلومِ والصنائعِ
وضدّه التوحّشُ القبيحُ
فعلُ الوحوشِ أصلُهُ الصريحُ
ثم مَجازًا بعد ذاك استُعملا
في كلَ ما خالفَ رأيَ العُقَلا
تمدّنُ البلادِ لا يكونُ
إلا إذا عمّت بها الفنونُ
كذلك الصنائعُ المفيدهْ
ومثله المتاجرُ العديدهْ
وإن تكن خاليةً من واحدهْ
كمصْرَ فالصنعةُ فيها كاسدهْ
فإنها تُنسَب للتّنوُّرِ
وربما تسمو ببعض الأعْصُرِ
وإن يك الأكثرُ منها قد خلا
فقد توحّشتْ ولا حول ولا
إطاعةُ الشرعِ وأمر الوالي
والاقتدا بالعُرفِ في الأفعالِ
من يتَّبعْها فهو ذو حرّيهْ
مفضّلٌ أحوالُهُ مرْضيّهْ
ثم يراعي بعدُ شأنَ الجسمِ
في حالتي صحّتهِ والسقمِ
فالحرُّ في الأصلِ الذي لا يُملَكُ
يفعلِ ما يريدهُ أو يتركُ
لكنه مقيّدٌ في طبعهِ
بعرفهِ وحكمهِ وشرعهِ
فمن يخالفْها ويتْبعِ الهوى
ويرعوي عن حدّه فقد غوى
العدلُ والتدبيرُ أصلُ المملكهْ
والمالُ والأجنادُ خوفُ التهلكهْ
فهذه قواعدُ السياسهْ
لازمةٌ لصاحبِ الرئاسهْ
من الطبيعيِّ بغير شكِّ
حفظُ الأنامِ بوجودِ الملكِ
ظُلْمُ القويّ كامنٌ يُظهِرُهُ
ما لم يجدْ في الناس من يقهرُهُ
يأخذ أبناءَ الضعيفِ غصبا
ويملك الأموالُ منه سلبا
فالناسُ كالوحوشِ في الأعمالِ
مالم يكونوا تحت حكم والِ
ذي قوّةٍ ليس شديدَ البطشِ
يسبر غَوْرَهمُ بدون طيشِ
يكون عارفًا بأخلاق الأممْ
مهذَّبَ الأخلاق ساميَ الهممْ
ممتّعًا بصحّة الحواسِ
ليفهمَ الأمرَ بلا التباسِ
وإن تكن وراءه فقد وجبْ
تعليمُ الابناءِ حقيقةَ الأدبْ
وإن يسوحوا في الممالكِ الأُخَرْ
ليسبروا غورَ الملوكِ بالنظرْ
ويحفظوا التاريخَ واللغاتِ
كي ما يحوزوا أحسنَ الصفاتِ
ومنعُهم عن النعيمِ والترفْ
ليحفظوا الملكَ ويزدادوا شرفْ
وليس للنساءِ ملكٌ يُعرفُ
ولو وراثةً وهذا أشرفُ
فإن في الرجال ما يُغني الدولْ
عن اتباعِ ذاتِ ضعفٍ وكسلْ
وإن يكن لا بدَّ فالوكيلُ
حتى يجيءَ وارثٌ أصيلُ
كذاك حكمُ فاقدِ الأهليّهْ
وهذه قاعدةٌ جليّهْ
وواجبٌ يُختار للوزارهْ
مَنْ كان ذا رأيٍ في الاستشارهْ
يكون من أعيانِ أبناء الوطنْ
فإنه للسرِّ خيرُ مؤتمنْ
في الرأي والتدبير ذو دهاءِ
يجهدُ في نكايةِ الأعداءِ