أيا عذبات البان من أيمن الحمى
رعى الله عيشا في رباك قطعناه
سرقناه من شرخ الشباب وروْقه
فلما سرقنا الصفو منه سُرقناه
وجاءت جيوش البين يقدمها القضا
فبدد شملا بالحجاز نظمناه
حرام بذي الدنيا دوام اجتماعنا
فكم صرمت للشمل حبلاً وصلناه
فيا أين أيام تولت على الحمى
وليل مع العشاق فيه سهرناه
ونحن لجيران المحصب جيرة
نوفي لهم حسن الوداد ونرعاه
ونخلو بمن نهوى إذا رقد الورى
ويجلو علينا من نحب محياه
فقرب ولا بعد وشمل مجمع
وكأس وصال بيننا قد أدرناه
فهاتيك أيام الحياة وغيرها
ممات فياليت النوى ما شهدناه
فيا ما أمر البين ما أقتل الهوى
أما يا الهوى إن الهنا قد سلبناه
فو الله لم يبق الفراق لذاذة
فلو من سبيل للفراق فرقناه
فأحبابنا بالشوق بالحب بالجوى
لحرمة عقد عندنا ما حللناه
لحق هوانا فيكم وودادنا
لميثاق عهد صادق ما نقضناه
أعيدوا لنا أعيادنا بربوعكم
ووقت سرور في حماكم قضيناه
فما العيش إلا ما قضينا على الحمى
فداك الذي من عمرنا قد عددناه
فياليت عنا أغمض البين طرفه
ويا ليت وقتا للفراق فقدناه
وترجع أيام المحصب من منى
ويبدو ثراه للعيون حصباه
وتسرح فيه العيس بين ثمامة
وتستنشق الأوراح نشر خزاماه
ونشكو إلى أحبابنا طول شوقنا
إليهم وماذا بالفراق لقيناه
فلا كانت الدنيا إذا لم يعاينوا
هم القصد في أولى المشوق وأخراه
عليكم سلام الله يا ساكني الحمى
بكم طاب رياه بكم طاب سكناه
وربكم لولاكم ما نوده
ولا القلب من شوق إليه أذبناه
أسكان وادي المنحنى زاد وجدنا
بمغنى حماكم ذاك مغنى شغفناه
نحنّ إلى تلك الربوع تشوقاً
ففيها لنا عهد وعقد عقدناه
ورب يرانا ما سلونا ربوعكم
وما كان من ربع سواه سلوناه
فيا هل إلى ربع الأعاريب عودة
فذاك وحق الله ربع حببناه
قضينا مع الأحباب فيه مآربا
إلى الحشر لا تنسى سقى الله مرعاه
فشدوا مطايانا إلى الربع ثانيا
فإن الهوى عن ربعكم ما ثنيناه
ففي ربعهم لله بيت مبارك
إليه قلوب الخلق تهوى وتهواه
يطوف به الجاني فيغفر ذنبه
ويسقط عنه جرمه وخطاياه
فكم لذة كم فرحة لطوافه
فلله ما أحلى الطواف وأهناه
نطوف كأنا في الجنان نطوفها
ولا هم لا غم فذاك نفيناه
فواشوقنا نحو الطواف وطيبه
فذلك شوق لا يعبر معناه
فمن لم يذقه لم يذق قط لذة
فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه
فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا
هناك تركناها فيا كيف ننساه
ترى رجعة هل عودة لطوافنا
وذاك الحمى قبل المنية نغشاه
ووالله ما ننسى زمان مسيرنا
إليه وكل الركب قد لذ مسراه
وقد نسيت أولادنا ونساؤنا
وأموالنا فالقلب عنهم شغلناه
تراءت لنا أعلام وصل على اللوى
فمن أجلها فالقلب عنهم لويناه
جعلنا إله العرش نصب عيوننا
ومَنْ دونه خلف الظهور نبذناه
وسرنا نشق البيد للبلد الذي
بجهد وشق للنفوس بلغناه
رجالاً وركبانا على كل ضامر
ومن كل ذي فج عميق أتيناه
نخوض إليه البر والبحر والدجى
ولا قاطع إلا وعنه قطعناه
ونطوي الفلا من شدة الشوق للقا
فتمسي الفلا تحكي سجلاً قطعناه
ولا صدنا عن قصدنا فقد أهلنا
ولا هجر جار أو حبيب ألفناه
وأموالنا مبذولة ونفوسنا
ولم نبق شيئاً منهما ما بذلناه
عرفنا الذي نبغي ونطلب فضله
فهان علينا كل شيء بذلناه
فمن عرف المطلوب هانت شدائد
عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه
فيا لو ترانا كنت تنظر عصبة
حيارى سكارى نحو مكة وُلاه
فلله كم ليل قطعناه بالسرى
وبر بسير اليعملات بريناه
وكم من طريق مفزع في مسيرنا
سلكنا وواد بالمخاوف جزناه
ولو قيل إن النار دون مزاركم
دفعنا إليها والعذول دفعناه
فمولى الموالي للزيارة قد دعا
أنقعد عنها والمزور هو الله
ترادفت الأشواق واضطرم الحشا
فمن ذا له صبر وتضرم أحشاه
وأسرى بنا الحادي فأمعن في السرى
وولى الكرى نوم الجفون نفيناه
ولما بدا ميقات إحرام حجنا
نزلنا به والعيس فيه أنخناه
ليغتسل الحجاج فيه ويحرموا
فمنه نلبي ربنا لا حرمناه
ونادى مناد للحجيج ليحرموا
فلم يبق إلا من أجاب ولباه
وجردت القمصان والكل أحرموا
ولا لبس لا طيب جميعاً هجرناه
ولا لهو ولا صيد ولا نقرب النسا
ولا رفث لا فسق كُلاً رفضناه
وصرنا كأموات لففنا جسومنا
بأكفاننا كل ذليل لمولاه
لعل يرى ذل العباد وكسرهم
فيرحمهم رب يرجون رحماه
ينادونه : لبيك لبيك ذا العلا
وسعديك كل الشرك عنك نفيناه
فلو كنت يا هذا تشاهد حالهم
لأبكاك ذاك الحال في حال مرآه
وجوههم غبر وشعث رءوسهم
فلا رأس إلا للإله كشفناه
لبسنا دروعاً من خضوع لربنا
وما كان من درع المعاصي خلعناه
وذاك قليل في كثير ذنوبنا
فيا طالما رب العباد عصيناه
إلى زمزم زمت ركاب مطينا
ونحو الصفا عيس الوفود صففناه
نؤم مقاماً للخليل معظماً
إليه استبقنا والركاب حثثناه
ونحن نلبي في صعود ومهبط
كذا حالنا في كل مرقى رقيناه
وكم نشز عال علته رفودنا
وتعلو به الأصوات حين علوناه
نحج لبيت حجه الرسل قبلنا
لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه
دعانا إليه الله قبل بنائه
فقلنا له لبيك داع أجبناه
أتيناك لبيناك جئناك ربنا
إليك هربنا والأنام تركناه
ووجهك نبفي أنت للقلب قبلة
إذا ما حججنا أنت للحج رمناه
فما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفا
وما زمزم أنت الذي قد قصدناه
وأنت منانا أنت غاية سولنا
وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه
إليك شددنا الرحل نخترق الفلا
فكم سُدَّ سَدُّ في سواد خرقناه
كذلك ما زلنا نحاول سيرنا
نهارا وليلاً عيسنا ما أرحناه
إلى أن بدا إحدى المعالم من منى
وهب نسيم بالوصال نشقناه
ونادى بنا حادي البشارة والهنا
فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه
وما زال وفد الله يقصد مكة
إلى أن بدا البيت العتيق وركناه
فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا
وكبرت الحجاج حين رأيناه
وقد كادت الأرواح تزهق فرحة
لما نحن من عظم السرور وجدناه
تصافحنا الأملاك من كان راكبا
وتعتنق الماشي إذا تتلقاه
فطفنا به سبعاً رملنا
وأربعة مشينا كما قد أمرناه
كذلك طاف الهاشمي محمد
طواف قدوم مثل ما طاف طفناه
وسالت دموع من غمام جفوننا
على ما مضى من إثم ذنب كسبناه
ونحن ضيوف الله جئنا لبيته
نريد القرى نبغي من الله حسناه
فنادى بنا أهلا ضيوفي تباشروا
وقروا عيونا فالحجيج قبلناه
غدا تنظروني في جنان خلودكم
وذاك قراكم مع نعيم ذخرناه
فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا
وأي ثواب مثل ما قد أثبناه
وكل مسيء قد أقلنا عثاره
ولا وزر إلا عنكم قد وضعناه
ولا نصب إلا وعندي جزاؤه
وكل الذي أنفقتموه حسبناه
سأعطيكم أضعاف أضعاف مثله
فطيبوا نفوساً فضلنا قد فضلناه
فيا مرحبا بالقادمين لبيتنا
إلى حججتم لا لبيت بنيناه
علي الجزا مني المثوبة والرضى
ثوابكم يوم الجزا أتولاه
فطيبوا سروراً وافرحوا وتباشروا
وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه
ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم
وما كان من عيب عليكم سترناه
فهذا الذي نلنا بيوم قدومنا
وأول ضيق للصدور شرحناه
وبتنا بأقطار المحصب من منى
فيا طيب ليل بالمحصب بتناه
في يومنا سرنا إلى الجبل الذي
من البعد جئناه لما قد وجدناه
فلا حج إلا أن نكون بأرضه
وقوفاً وهذا في الصحيح رويناه
إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا
فلولاه ما كنا لحج سلكناه
وسرنا إليه قاصدين وقوفنا
عليه ومن كل الجهات أتيناه
على علميه للوقوف جلالة
فلا زالتا تحمى وتحرس أرجاه
وبينهما جزنا إليه بزحمة
فيا طيبها ليت الزحام رجعناه
ولما رأيناه تعالى عجيجنا
نلبي وبالتهليل منا ملأناه
وفيه نزلنا بكرة بذنوبنا
وما كان من ثقل المعاصي حملناه
وبعد زوال الشمس كان وقوفنا
إلى الليل نبكي والدعاء أطلناه
فكم حامد كم ذاكر ومسبح
وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه
فكم خاضع كم خاشع متذلل
وكم سائل مدت إلى الله كفاه
وساوى عزيز في الوقوف ذليلنا
وكم ثوب عز في الوقوف لبسناه
ورب دعانا ناظر لخضوعنا
خبير عليم بالذي قد أردناه
ولما رأى تلك الدموع التي جرت
وطول خشوع مع خضوع خضعناه
تجلى علينا بالمتاب وبالرضى
وباهى بنا الأملاك حين وقفناه
وقال انظروا شعثا وغبرا جسومهم
أجرنا أغثنا يا إلها دعوناه
وقد هجروا أموالهم وديارهم
وأولادهم والكل يرفع شكواه
إلي فإني ربهم ومليكهم
لمن يشتكي المملوك إلا لمولاه
ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم
ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه
فقد بدأت تلك المساوي محاسنا
وذلك وعد من لدنا وعدناه
فيا صاحبي من مثلنا في مقامنا
ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه
على عرفات قد وقفنا بموقف
به الذنب مغفور وفيه محوناه
وقد أقبل الباري علينا بوجهه
وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه
وعنكم ضمنا كل تابعة جرت
عليكم وأما حقنا فوهبناه
أقلناكم من كل ما قد جنيتم
وما كان من عذر لدينا عذرناه
فيا من أسا يا من عصى لو رأيتنا
وأوزارنا ترمى ويرحمنا الله
فإبليس مغموم لكثرة ما يرى
من العتق محقوراً ذليلاً دحرناه
على رأسه يحثو التراب مناديا
بأعوانه : ويلاه ذا اليوم ويلاه
وأظهر من حسرة وندامة
وكل بناء قد بناه هدمناه
تركناه يبكي بعدما كان ضاحكاً
فكم مذنب من كفه قد سللناه
وكم أمل نلناه يوم وقوفنا
وكم من أسير للمعاصي فككناه
وكم قد رفعنا للإله مطالبا
ولا أحد ممن نحب نسيناه
وخصصت الآباء والأهل بالدعا
وكم صاحب دان وناء ذكرناه
كذا فعل الحجاج هاتيك عادة
وما فعل الحجاج فيه فعلناه
وظل إلى وقت الغروب وقوفنا
وقيل ادفعوا فالكل منكم قبلناه
أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم
إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه
وسيروا إليه واذكروا الله عنده
فسرنا وفي وقت العشاء نزلناه
وفيه جمعنا مغرباً وعشاءها
ترى عائداً جمعاً لجمع جمعناه
وبتنا به حتى لقطنا جمارنا
وربا شكرناه على ما هداناه
ومنه أفضنا حيثما الناس قبلنا
أفاضوا وغفران الإله طلبناه
ونحو منى ملنا بها كان عيدنا
ونلنا بها ما القلب كان تمناه
فمن منكم بالله عيد عيدنا
فعيد منى رب البرية أعلاه
وفيه رمينا للعقاب جمارنا
ولا جرم إلا مع جمار رميناه
وبالجمرة القصوى بدأنا وعندها
حلقنا وقصرنا لشعر حضرناه
ولما حلقنا حل لبس مخيطنا
فيا حلقة منها المخيط لبسناه
وفيها نحرنا الهدي طوعاً لربنا
وإبليس لما أن نحرنا نحرناه
ومن بعدها يومان للرمي عاجلاً
ففيها رمينا والإله دعوناه
وإياه أرضينا برمي جمارنا
وشيطاننا المرجوم ثم رجمناه
وبالخيف أعطانا الإله أماننا
وأذهب عنا كل ما نحن نخشاه
وردت إلى البيت الحرام وفودنا
تحن له كالطير حن لمأواه
وطفنا طوافا للإفاضة حوله
وفزنا به بعد الجمار وزرناه
ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة
كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه
ونلنا أمان الله عند دخوله
كذا أخبر القرآن فيما قرأناه
فيا منزلاً قد كان أبرك منزل
نزلناه في الدنيا وبيتاً وطئناه
ترى حجةً أخرى إليه ودخلةً
وهذا على درب الورى نتمناه
فإخواننا ما كان أحلى دخولنا
إليه ولبثا في ذراه لبثناه
نطوف به والله يحصي طوافنا
ليسقط عنا ما نسينا وأحصاه
وبالحجر الميمون عجنا فإنه
لرب السما والأرض للخلق يمناه
نقبله من حبنا لإلهنا
وكم لثمة طي الطواف لثمناه
وذاك لنا يوم القيامة شاهد
وفيه لنا لله عهد عهدناه
ونستلم الركن اليماني طاعة
ونستغفر المولى إذا ما لمسناه
وملتزم فيه التزمنا لربنا
عهوداً وعقبى الله فيه لزمناه
وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا
دعونا به والقصد فيه نويناه
وصلى بأركان المقام حجيجنا
وفي زمزم ماءً طهوراً وردناه
وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا
لما نحن ننويه إذا ما شربناه
وبين الصفا والمروة الوفد قد سعى
فإن تمام الحج تكميل مسعاه
فسبعاً سعاها سيد الرسل قبلنا
ونحن تبعناه فسبعاً سعيناه
نهرول في أثنائها كل مرة
فهذاك من فعل الرسول فعلناه
وبعد تمام الحج والنسك كلها
حللنا وباقي عيسنا قد أنخناه
فمن شاء وافى الصيد والطيب والنسا
وقد تم حج للإله حججناه
ولما اعتمرنا كان أبرك عمرنا
زمانا نراه باعتمار عمرناه
ولما قضينا للإله مناسكاً
ذكرناه والمطلوب منه سألناه
فمن طالب حظاً بدنيا فما له
خلاق بأخراه إذا الله لاقاه
ومن طالب حسنا بدنيا لدينه
وحسنا بأخراه وذاك يوفاه
وآخر لا يبغي من الله حاجة
سوى نظرة في وجهه يوم عقباه
وبات حجيج الله بالبيت محدقاً
ورحمة رب العرش ثمت تغشاه
تداعت رفاقا بالرحيل فما ترى
سوى دمع عين بالدماء مزجناه
لفرقة بيت الله والحجر الذي
لأجلهما صعب الأمور سلكناه
وودعت الحجاج بيت إلهها
وكلهم تجري من الحزن عيناه
فللَّه كم باك وصاحب حسرة
يود بأن الله كان توفاه
فلو تشهد التوديع يوماً لبيته
فإن فراق البيت مر وجدناه
فما فرقة الأولاد والله إنه
أمر وأدهى ذاك شيء خبرناه
فمن لم يجرب ليس يعرف قدره
فجرب تجد تصديق ما قد ذكرناه
لقد صدعت أكبادنا وقلوبنا
لما نحن من مر الفراق شربناه
والله لولا أن نؤمل عودة
إليه لذقنا الموت حين فجعناه
ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا
رحلنا لمغنى المصطفى ومصلاه
ووالله لو أن الأسنة أشرعت
وقامت حروب دونه ما تركناه
ولو أننا على الروس دونه
ومن دونه جفن العيون فرشناه
وتملك منا بالوصول رقبانا
ويسلب منا كل شيء ملكناه
لكان يسيراً في محبة أحمد
وبالروح لو يشرى الوصال شريناه
ورب الورى لولا محمد لم نكن
لطيبة نسعى والركاب شددناه
ولولاه ما اشتقنا العقيق ولا قبا
ولولاه لم نهوى المدينة لولاه
هو القصد إن غنت بنجد حداتنا
وإلا فما نجد وسلع أردناه
وما مكة والخيف قل لي ولا منى
وما عرفات قبل شرع أردناه
به شرفت تلك الأماكن كلها
وربك قد خص الحبيب وأعطاه
لمسجده سرنا وشدت رحالنا
وبين يديه شوقنا قد كشفناه
قطعنا إليه كل بر ومهمه
ولا شاغل إلا وعنا قطعناه
كذا عزمات السائرين لطيبة
رعى الله عزماً للحبيب عزمناه
وكم جبل جزنا ورمل وحاجز
ولله كم واد وشعب عبرناه
ترنحنا الأشواق نحو محمد
فنسري ولا ندري بما قد سريناه
ولما بدا جزع العقيق رأيتنا
نشاوى سكارى فارحين برؤياه
شممنا نسيماً جاء من نحو طيبة
فأهلاً وسهلاً يا نسيما شممناه
فقد ملئت منّا القلوب مسرة
وأي سرور مثل ما قد سررناه
فوا عجباه كيف قرّت عيوننا
وقد أيقنت أن الحبيب أتيناه
ولقياه منا بَعدَ بُعدٍ تقاربت
فو الله لا لقيا تعادل لقياه
وصلنا إليه واتصلنا بقربه
فلله ما أحلى وصولاً وصلناه
وقفنا وسلمنا عليه وإنه
ليسمعنا من غير شك فديناه
ورد علينا بالسلام سلامنا
وقد زادنا فوق الذي قد بدأناه
كذا كان خلق المصطفى وصفاته
بذك في الكتب الصحاح عرفناه
وثم دعونا للأحبة كلهم
فكم من حبيب بالدعاء خصصناه
وملنا لتسليم الإمامين عنده
فإنهما حقاً هناك ضجيعاه
وكم قد مشينا في مكان به مشى
وكم مدخل للهاشمي دخلناه
وآثاره فيها العيون تمتعت
وقمنا وصلينا بحيث مصلاه
وكم قد نشرنا شوقتنا لحبيبنا
وكم من غليل في القلوب شفيناه
ومسجده فيه سجدنا لربنا
فلله ما أعلى سجوداً سجدناه
بروضة قمنا فهاتيك جنة
فيا فوز من فيها يصلي وبشراه
ومنبره الميمون منه بقية
وقفنا عليها والفؤاد كررناه
كذلك مثل الجذع حنت قلوبنا
إليه كما ود الحبيب وددناه
وزرنا قبا حبا لأحمد إذ مشى
عسى قدماً يخطو مقاما تخطاه
لنبعث يوم البعث تحت لوائه
إذا الله من تلك الأماكن ناداه
وزرنا مزارات البقيع فليتنا
هناك دفنا والممات رزقناه
وحمزة زرناه ومن كان حوله
شهيداً وأحداً بالعيون شهدناه
ولما بلغنا من زيارة أحمد
منانا حمدنا ربنا وشكرناه
ومن بعد هذا صاح بالبين صائح
وقال ارحلوا يا ليتنا ما أطعناه
سمعنا له صوتاً بتشتيت شملنا
فيا ما أمر الصوت حين سمعناه
وقمنا نؤم المصطفى لوداعه
ولا دمع إلا للوداع صببناه
ولا صبر كيف الصبر عند فراقه ؟
وهيهات إن الصبر عنه صرفناه
أيصبر ذو عقل لفرقة أحمد
فلا والذي من قاب قوسين أدناه
فواحسرتاه من وداع محمد
وأواه من يوم التفرق أواه
سأبكي عليه قدر جهدي بناظر
من الشوق ما ترقى من الدمع غرباه
فيا وقت توديعي له ما أمره
ووقت اللقا والله ما كان أحلاه
عسى الله يدنيني لأحمد ثانياً
فيا حبذا قرب الحبيب ومدناه
فيا رب فارزقني لمغناه عودة
تضاعف لنا فيها الثواب وترضاه
رحلنا وخلفنا لديه قلوبنا
فكم جسد من غير قلب قلبناه
ولما تركنا ربعه من ورائنا
فلا ناظر إلا إليه رددناه
لنغنم منه نظرة بعد نظرة
فلما أغبناه السرور أغبناه
فلا عيش يهنى مع فراق محمد
أأفقد محبوبي وعيشي أهناه
دعوني أمت شوقاً إليه وحرقة
وخطوا على قبري بأني أهواه
فيا صاحبي هذي التي بي قد جرت
وهذا الذي في حجنا قد عملناه
فإن كنت مشتاقاً فبادر إلى الحمى
لتنظر آثار الحبيب وممشاه
وتحظى بيت الله من قبل منعه
كأنا به عما قليل منعناه
أليس ترى الأشراط كيف تتابعت
فبادر واغنمه كما قد غنمناه
إلى عرفات عاجل العمر واستبق
فثم إله الخلق يسبغ نعماه
وعيد مع الحجاج يا صاح في منى
فعيد منى أعلاه عيداً وأسناه
وضح بها واحلق وسر متوجهاً
إلى البيت واصنع مثل ما قد صنعناه
وكن صابراً إنا لقينا مشقة
فإن تلقها فاصبر كصبر صبرناه
لقد بعدت تلك المعالم والربا
فكم من رواح مع غدو غدوناه
فبادر إليها لا تكن متوانيا
لعلك تحظى بالذي قد حظيناه
وحج بمال من حلال عرفته
وإياك والمال الحرام وإياه
فمن كان بالمال المحرم حجه
فعن حجه والله ما كان أغناه
إذا هو لبى الله كان جوابه
من الله لا لبيك حج رددناه
كذلك جانا في الحديث مسطرا
ففي الحج أجر وافر قد سمعناه
ومن بعد حج سر لمسجد أحمد
ولا تخطه تندم إذا تتخطاه
فوا أسف الساري إذا ذكر الحمى
إذا ربع خير المرسلين تخطاه
ووالهف الآتي بحج وعمرة
إذا لم يكمل بالزيارة ممشاه
يعزى على ما فاته من مزاره
فقد فاته أجر كثير بأخراه
نظرناه حقاً حين بانت ركابنا
على طيبة حقاً وصدقاً نظرناه
وزادت بنا الأشواق عند دنونا
إليها فما أحلى دنوا دنيناه
ولما بدت أعلامها وطلولها
تحدرت الركبان عما ركبناه
وسرنا مشاة رفعة لمحمد
حثنا الخطا حتى المصلى دخلناه
لنغنم تضعيف الثواب بمسجد
صلاة الفتى فيه بألف يوفاه
كذلك فاغنم في زيارة طيبة
كما قد فعلنا واغتنم ما غنمناه
فإذ ما رأيت القبر قبر محمد
فلا تدن منه ذاك أولى لعلياه
وقف بوقار عنده وسكينة
ومثل رسول الله حيا بمثواه
وسلم عليه والوزيرين عند
هوزره كم زرنا لنحصد عقباه
وبلغه عنا لا عدمت سلامنا
فأنت رسول للرسول بعثناه
ومن كان منا مبلغا لسلامنا
فإنا بمبلاغ السلام سبقناه
فيا نعمة لله لسنا بشكرها
نقوم ولو ماء البحور مددناه
فنحمد رب العرش إذا كان حجنا
بزورة من كان الختام ختمناه
عليك سلام الله ما دامت السما
سلام كما يبغى الإله ويرضاه