ترسَّمتُ بعد المسْتقلِّين أَرْبُعا
فأسقيتُهامن وابل العينِ أدمعا
محاها البِلَى حتى ظننتُ رسومَها
ركائبَ زارتها عواكفُ خُشَّعا
أكلِّمها في ساكنيها فإن طغت
دموعي أقام القلبُ كفّاً وأُصْبُعا
أُسائلها عن فخرها أين أَزْمعا
فيثني الصدَى ما قلتُه أين أزمعا
عفتْ مذ مضى عنها عليُّ بنُ جعفرٍ
وأقلع عنها السعدُ ليلةَ أقلعا
مصابٌ على الإسلام حطَّ كَلاكِلاً
فأزعجَ أربابَ الحفاظ وروَّعا
ليومي عليٍّ تذرف العينُ أدْمعاً
فأمُّهما سِيّان رزْءاً ومصرعا
لئن جاءتِ الأيام شنعاءَ في الورى
فيومُ عليٍّ كان أدْهَى وأشْنعا
فلا بكَّرَ الناعي على الناس ويحَه
بِفيهِ الثرى، هل يدري أيَّ فتىً نَعَى
نعى فالمساعي الغُرُّ تندب خلفَه
وغادر أحشاءَ المكارم وُقَّعا
نعى سيّداً لم يلحظِ الدهرَ مُغْضَباً
بعينيه إلا انصاع منه مروَّعا
إِماماً له ألقى الزمانُ قيادَه
فجاء على وفق الإرادة طيِّعا
غدوتَ لنا في فادح الخطب مَفْزَعاً
وفيه لنا في كالح الجدب مَربعا
متى شَنَّ جيشُ الدهر غارةَ غدرِهِ
تَوَهَّمَ منه سطْوةً فتَذَعْذَعا
سرى نعشُه في الناس مسرى نوالِهِ
وخطَّ له في قلبه المجدُ مضْجعا
فيا طَوْدَ عزٍّ قد أمِنّا بظله
تكنَّفَه رَيْبُ الردى فتزعزعا
ومُرْتَكَماً نُسْقَى بصيِّب وبْلِه
جلتْه عقيمُ النائبات فأقْشعا
وبدراً تعوَّدنا اهتداءً بنوره
فأشرق لكنْ صيَّر النعشَ مطلعا
فيا حاملَ النعش اتَّئدْ فلعله
يزوِّدنا دُرَّ الحديث فنسمعا
رويداً فهذي المكرماتُ نوائِحٌ
وراءك تسْترعيكَ حسْرَى وظُلَّعا
أحين ترجَّتْك البريّةُ مطمعا
تكون لجلاّء الرزيَّة مطمعا
فقل لبني الآمال خلواً عن السُّرى
فقد أُودع المجدُ الثَّرى يومَ ودّعا
وما كنتُ أدري قبل دفنك أنه
يكون الثرى من ساحة الكون أوسعا
ولا قبلَ أعْوادٍ حملْنَك آملاً
بشامخ رضْوَى أن يُقَلَّ ويُوضعا
هدأتَ فصيَّرت القلوبَ خوافقاً
ذهبتَ فخلَّيتَ الحوادث رُجَّعا
وأُنزلتَ قبراً قد سما بك رفعةً
كأنك ما أُنزلتَ إلا لتُرفعا