تخطَّ إلى المحتوى

في رثاء الشيخ عبدالقادر الجيلي

غير معروف

٤٥ بيت

المتفرقات

«في رثاء الشيخ عبدالقادر الجيلي»

بلغ الزُّبى سيلُ المصيبة عندنا

لمّا هوى بدرُ الدُّجى الِمقدامُ

واهتزَّ دينُ اللّه يوم رحيلهِ

طاشت بيوم وفاته الأحلام

واندكَّ ركنٌ شامخٌ بين الورى

عَلَمٌ تقاصَرُ دونه الأعلام

شمسٌ أضاء المشرقين بنورهِ

وترنّمت بفعاله الأيّام

ما كان إلاّ مرشدًا ومهذّبًا

ومعلّمًا رجحت به الأحلام

إن جئت مجلسهُ تراه خزانةً

للعلم يجلس عنده الأقوام

يسقيهمُ علمًا لذيذًا طعمُهُ

فقهٌ حديثٌ تارةً وكلام

فإذا انقضى درسٌ وجاء مفسِّرًا

آيَ الكتاب فللمعاني زحام

لرأيتهُ بحرًا تفيض علومُهُ

عذبًا فراتًا ثغرهُ بسّام

قالوا قضى الشّيخُ الجليلُ أخو التّقى

النّاسك المتعبِّدُ القوّام

العبقريُّ الثَّبْتُ فردُ زمانهِ

الصّالح المتصوِّف الصوّام

عَبَدَ الإله فنال منه رضاءهُ

ما سرَّهُ أكلٌ ولا هندام

زَهِدَ الحطامَ ولم يدنِّسْ قلبَهُ

بمحبّة الدّنيا وقال حرام

أن تجعلوا الدّنيا الدّنيئة همَّكم

واسعَوْا إلى الأخرى وذاك لزام

فتح البصائر واستنار بنورهِ

خلقٌ كثيرٌ مُخبتون كرام

عَرفوا طريق القوم واستبقوا لهُ

في جُنح ليلٍ مسرعين وهاموا

وهُمُ عَبيدُ الله أهلُ قرابةٍ

في اللّه لم تجمعْهمُ الأرحام

سحرًا على أعتاب شيخٍ عارفٍ

ساروا حثيثًا أدلجوا ما ناموا

طربوا وعربدَ بعضهم مستبشرًا

لما تبدّى للنّدامى الجام

سكروا وقد نالوا الوصال هنيهةً

ويطوف بين العاشقين مُدام

طابت كؤسُهمُ وطاب حديثُها

في طابقٍ إن رُدِّدَتْ أنغام

صرعى دموعهمُ تبلُّ لحاهمُ

واختلّ من تلك الصُّفوف نظام

ذهبوا بعيدًا لا مكانَ يحدُّهم

طاروا إلى الملأ العليِّ وحاموا

رجعوا وفيهم نشوةٌ وصبابةٌ

في كنهها تتحيَّر الأفهام

إنّ الحياة مدى الزّمان روايةٌ

وكأنّها بزماننا أفلام

تعطيك ما سجّلتهُ بأمانةٍ

منها تشاهدهُ وليس تُضام

كتبت بأيدي الكاتبين فعالنا

سيكون للأعضاء ثَمَّ خصام

آيُ الكتاب بذا صريحٌ واضحٌ

والدّين نورٌ والظلام ظلام

قد كان ذاك الشّيخ بدرًا ساطعًا

فخرت به السّاعاتُ والأيّام

فهو الملاذ الفخر غير مدافَعٍ

خضعت لباهر فضله الأعلام

ربّاه والدُهُ الجليلُ بهديهِ

فاق الفحول ولم ينله فِطام

قطع المراحل وهو شابٌّ أمردٌ

ركضًا وما علقت به أوهام

أكرمْ به شيخًا وقد بلغ المدى

حسناتهُ لم تُحصها الأرقام

من كفّهِ غيث المكارم هاطلٌ

لم يحكِها يوم النّوال غمام

أنَّى لذاك المزن مثل عطائهِ؟

فرحت به الفقراء والأيتام

والبرقُ يلمع من سحائب جودهِ

فيدِرُّ غيثًا والسَّحاب ركام

يا أيها الشّيخُ الجليل أخو التّقى

يهنيك في دار الخلود مقام

أبناؤك الغُرُّ الأكارم حقّقوا

ما رُمتَهُ والمكرُمات تُرام

أحيَوْا مآثرك العظيمة كلّها

ساروا على النهج القويم وداموا

الدّين بين ربوعهم في غبطةٍ

شدّوا مآزرهم إليه وقاموا

جعلوه أكبرَ همِّهم وجميعهم

يحنو عليه وسيّدٌ وهمام

أمّا خليفتك العظيم فإنّهُ

حامي الحِمى في بُردتيه إمام

يمشي على سَنن الذين تقدَّموا

ما عاقهُ عن سيرهم إحجام

لا زال قبرك روضةً فينانةً

بالطّيب ينضح

والسّلام ختام