السّاعة الخامِسةُ والعِشرون
ها أنا أعود، يا صَخرتي الأولى،
يا وجهَ الموج حين استدار على الرّملِ وباح،
أعودُ من شتاءٍ طويلٍ
كنتُ فيه أغصانًا بلا جذع
وأجنحةً مبتلّةً بلجج الرّحيل .
مرّ زمنٌ حيرانُ الملامح،
تعاقبت فيه سنواتٍ ضوئيّة
كدورة البَحر حين يغصُّ بالأسرار،
أنباءٌ كثيرةٌ هاجَت ،
ورَسائلٌ كتبتها على عدمِ إكتراث للمَوت
وِلدتُ طِفلًا أبكم القَلب
قالوا تَشبه المَوج ...
لكنّ الهَمسة خافتت ،
وهم ينفثون المِلح عن جفون جدّتي،
ثم صمتوا،
كأنّ الجملة قد خانتهُم فارتطَمت بصَدري
كما أنهم خَشوا أن يتهدّل جدّي المَخبول
الّذي عانقهُ الزّهايمر كحفيدهُ الأوّل
بعد أحد عشر طِفلًا إنتحر بسلاحِ جُندي
كانَ ولدهُ الوَحيد .
ألوّح لكَ من قاعِ اللجّ،
من حافةٍ ملعونةٍ بين هيجانٍ
وصمتِ المَوجة الخامِسة بعد الطّوفان.
أزفُّ إليك أنباءً نَزَفَها البحرُ
كلّ شيء بعدك يشبه شعرةً بيضاء
اقتُلعَت من الشيب بفزع .
البيت تشوّه
تكسّرت بعدُك الأغنيّات ،
ككأس نبيذٍ إقتلع على الرَصيف
تدسُّ فيه خطى المارّين،
وتتخلّله صراخ البحر حين يتأخّر الموج،
ثمة أخبار
أخذت شكل الطَحالب على قلبي،
رتّبها الغَيم مثل مآتم الصُراخ في صَدري،
ادعُ لي أن تأتي عاصفةٌ
تشبه تلك التي شقّت جبينك ذات طفولة
حين كنتَ تنسجُ لي الفَرح
بقصيدتينِ .
كنتَ مؤمنًا بالنَجاة ، وإيمانك الكامل
قطّع عنّي سُبلَ الهروب.
أنا أبعث لك هذه الرّسالة
من حفرةٍ قُرب البَحر،
مجنونة بخمسةِ عَشر عامًا،
تحمل لترًا واثنا عَشر دمعة مَخبوءة بالأجفُن
وقلبًا مطحونًا،
مرشوشًا عليه رطلًا من المِلح
وعطركَ الّذي أبكى العَصافير
بنكهة التّبغ الفرنسي ،
ورئتين محترقتينِ على مائدةِ عجوزٍ مائت
أوّل آماله أن يُقيم مَع أبناءهُ حفلةِ شِواء
في مَزرعةٍ قَد دُفِنوا فيها بالحَرب .
يا ورقةَ الخريفِ التي هشّمها الشّعراء
فقد نثرتُ عليك كُل صوري الشعريّة
وأحرقتُها ..
لكي تسكُن في الدُخان
ولَم أدرِ بالرّمال الّتي جَرفتك
لأجداثٍ أظلَم منّي ، بحَريقٍ عُمرهُ عُمري
تلوّحُ على صخرةٍ نسيَت اسم البَحر
أهتف لك من لجّةٍ
كان الغَرقُ فيها وصيّةً،
وأنا أهوِي .