يا مَنْ نسَفْتَ جبالي مِنْ أعاليها
قتَلْتَ كلَّ العصافيرِ التي فيها
خطَفتَ مِن أعيُني الوَحْشاءِ سامِرَها
وما ترَكْتَ نجوماً في لياليها
خطَفْتَ منّي التي حتى وإنْ أفَلَتْ
مِنَ الزّمانِ بحاسوبٍ أُلاقيها
أمامَ عيني وفي بيتي وفي طرُقي
وفي الجرائِدِ والتِلْفازِ رائيها
تقولُ لي أنتَ كذّابٌ بلا سببٍ!
قلْ بدَّلَتْ جُلُّ أنْهاري مجاريها
تقولُ لي قد فقدْنا فيكَ مَوْثِقَنا
أعِدْ إليَّ مواثيقي لأُوفيها
تقولُ أنتَ عَدُوِّي الآنَ مِنْ جِهةٍ
وأنتَ روحي فهلْ روحي أُعاديها؟
قلْ لي تقلّبَتِ الأنواءُ في سُفُني
فضيَّعَتْني ولمْ تَعْرِفْ شواطيها
صارتْ طيوري تُجافيني مواسِمَها
ولا تَزورُ على أرضي مرافيها
قلْ لي لكَ اللهُ لا تمْلأْ دَمي صَخَباً
يكفي لتمزيقِ روحي ما أُعانيها
ملأتَ دنيايَ أكواخاً محطّمةً
خرائِباً أنتَ مسْؤُولٌ لتَبْنيها
ملأتَ أشرِعَتي البيضاءَ أوْسِمَةً
من الثُّقُوبِ فلمْ تلْحَقْ صواريها
صارتْ رياحُ التلاقي لا تُحَرِّكُها
ولا رياحُ تَجافينا تُجافيها
وصارَ يشكو شِراعي فقْدَ سَطْوتِهِ
على السّفينِ التي ضاعتْ موانيها
بعيدةً عن زِمامي أصبَحَتْ سُفُني
وأنتَ والريحُ عن مَرساي تُقْصيها
أقسى من الريحِ ما كانتْ تهدِّدُني
تلكَ العواصفُ أنْ تأتي بعاليها
وأنتَ بالخائبِ الخاوي تهدِّدُني
فخذْ لهُ قدَمي اليُسْرى لِيَكْويها
أنا الذي لمْ أزلْ أحمي قوافِلَهم
فكيفَ أخشى كلاباً في مَراعيها؟
هل جئتَني بعدَ ذاكَ الحُبِّ تقتُلُني؟
أنساكَ لوْ هذهِ الأقوالُ ناسيها
تبقى نُصُوصي ويبقى خالداً أدبي
يجري الزَّمانُ كما تجري قوافيها
نعمْ أنا اليومَ نجْمي غائبٌ وغداً
يعودُ يسْطَعُ نجْمِي في أعاليها
غداً ترى أنني قد كنتُ مُعْجِزةً
وسوفَ تُحْيي بيَ الأيامُ ماضيها
غداً ترى سُقُفاً تَنْهارُ مُعْلِنَةً
عنِ العُيوبِ التي رانتْ مبانيها
ومُسْتَقِرٌّ بنائي مِنْ قواعِدِهِ
لأنني كنْتُ بالقرآنِ ساقيها
فهلْ بخمْرِ الصَّعاليكِ الذينَ لهمْ
حَظ لدَيكَ تراتيلي تُساويها؟
إني أُرتِّلُ قُرآناً بلا خطأٍ
وعِلَّتي منكَ بالتَّقوى أُداويها
وسوفَ تعرِفُ منهمْ بعدَ صَحْوَتِهمْ
أَنّ السَّفاهةَ لنْ تَنْسى أهاليها
ولا تظُنّ وقد أعْيَيْتَني صَلِفاً
أنَّ المياهَ ستَجْري في مجاريها
وكيفَ أنسى وقد أجرَيْتَ مِنْ مُقَلي
فيضَ الدُّموعِ وألقيتَ الحصى فيها
لقد تغيّرَتِ الألوانُ في شبَكي
وبَدَّلَتْ ساعتي اليُسْرى ثَوانيها
وقد مَلَلْتُكَ لا أخبارَ تنقِلُها
ولا حَوادِثَ بغدادٍ تُغَطِّيها
وها وصَلْنا إلى أقصى معارِجِنا
ولَمْ نَعُدْ برِسالاتٍ نُؤَدِّيها
نعمْ أُحِبُّكَ لكنْ لم تدَعْ حَجراً
إلاّ وجئتَ على رأسي لتَرْمِيها
قلْ لي وداعاً فقد لا نلتقي أبداً
إنّ المدائنَ تُغْزى من ضَواحيها