تخطَّ إلى المحتوى

أبصرتها و الشمس عند شروقها

غير معروف

٥٧ بيت

المتفرقات

أبصرتها ، و الشمس عند شروقها

فرأيتها مغمورة بالنار

و رأيتها عند الغروب غريقه

في لجّة من سندس و نضار

و رأيتها تحت الدجى ، فرأيتها

في بردتين : سكينة ووقار

فتنبّهت في النفس أحلام الصبى

و غرقت في بحر من التّذكار

نفسي لها من جنّة خلّابة

نسجت غلائلها يد الأمطار

أنّى مشيت نشقت مسكا أزفرا

في أرضها و سمعت صوت هزار

ذات الجبال الشّامخات إلى العلا

يا ليت في أعلى جبالك داري

لأرى الغزالة قبل سكان الحمى

و أعانق النّسمات في الأسحار

لأرى رعاتك في المروج و في الربى

و الشّاء سارحة مع الأبقار

لأرى الطيور الواقعات على الثرى

و النحل حائمة على الأزهار

لأساجل الورقاء في تغريدها

و تهزّ روحي نفحة المزمار

لأسامر الأقمار في أفلاكها

تحت الظّلام إذا غفا سمّاري

لأراقب " الدلوار " في جريانه

و أرى خيال البدر في " الدلوار "

بئس المدينة إنّها سجن النّهى

و ذوي النّهى ، و جهنّم الأحرار

لا يملك الإنسان فيها نفسه

حتّى يروّعه ضجيج قطار

وجدت بها نفسي المفاسد و الأذى

في كلّ زاوية و كلّ جدار

لا يخدعنّ الناظرين برجها

تلك البروج مخابيء للعار

لو أنّ حاسد أهلها لاقى الذي

لاقيت لم يحسد سوى " بشّار "

غفرانك اللّهم ما أنا كافر

فلم تعذّب مهجتي بالنّار ؟

لله ما أشهى القرى و أحبّها

لفتى بعيد مطارح الأفكار

إن شئت تعرى من قيودك كلّها

فانظر إلى صدر السّماء العاري

و امش على ضوء الصّباح ، فإن خبا

فامش على ضوء الهلال السّاري

عش في الخلا تعش خليّا هانئا

كالطّير ... حرا ، كالغدير الجاري

عش في الخلاء كما تعيش طيوره

الحرّ يأبى العيش تحت ستار !

شلّال " ملفرد " لا يقرّ قراره

و أنا لشوقي لا يقرّ قراري

فيه من السيف الصقيل بريقه

و له ضجيج الجحفل الجرّار

أبدا يرش صخوره بدموعه

أتراه يغسلها من الأوزار ؟

فاذا تطاير ماؤه متناثرا

أبصرت حول السفح شبه غبار

كالبحر ذي التّيار يدفع بعضه

و يصول كالضرغام ذي الأظفار

من قمّة كالنهد ، أيّ فتى رأى

نهدا يفيض بعارض مدرار ؟

فكأنّما هي منبر و كأنّه

" ميراب " بين عصائب الثوّار

من لم يشاهد ساعة و ثباته

لم يدر كيف تغطرس الجبّار

ما زلت أحسب كلّ صمت حكمة

حتّى بصرت بذلك الثرثار

أعددت ، قبل أراه ، وقفة عابر

لاه فكانت وقفة استعبار ! ..

يا أخت دار الخلد ؛ يا أم القرى ،

يا ربّة الغابات و الأنهار

لله يوم فيك قد قضّيته

مع عصبة من خيرة الأنصار

نمشي على تلك الهضاب ودوننا

بحر من الأغراس و الأشجار

تنساب فيه العين بين جداول

و خمائل و مسالك و ديار

آنا على جبل مكين راسخ

راس ، و آنا فوق جرف هار

تهوي الحجارة تحتنا من حالق

و نكاد أن نهوي مع الأحجار

لو كنت شاهدنا نهرول من عل

لضحكت منّا ضحكة استهتار

الريح ساكنة و نحن نظنّنا

للخوف مندفعين مع إعصار

و الأرض ثابتة و نحن نخالها

تهتزّ مع دفع النسيم السّاري

مازال يسند بعضنا بعضا كما

يتماسك الروّاد في الأسفار

ويشدّ هذا ذاك من أزراره

فيشدّني ذيّاك من أزراري

حتى رجعنا سالمين و لم نعد

لو لم يمدّ الله في الأعمار

و لقد وقفت حيال نهرك بكرة

و الطير في الركنات و الأوكار

متهيّبا فكأنّني في هيكل

و كأنّه سفر من الأسفار

ما كنت من يهوى السكوت و إنّما

عقلت لساني رهبة الأدهار

مرّ النسيم به فمرّت مقلتي

منه بأسطار على أسطار

فالقلب مشتغل بتذكاراته

و الطرف مندفع مع التيّار

حتى تجلّت فوق هاتيك الربى

شمس الصباح تلوح كالدّينار

فعلى جوانبه وشاح زبرجد

و على غراربه و شاح بهار

لو أبصرت عيناك فيه خيالها

لرأيت مرآة بغير إطار

يمّمته سحرا و أسراري معي

و رجعت في أعماقه أسراري ! ..

إنّي حسدت على القرى أهل القرى

و غبطت حتّى نافخ المزمار

ليل و صبح بين إخوان الصّفا

ما كان أجمل ليلتي و نهاري !