تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٢٠١ بيت

المتفرقات

فلتأتِ إليَّ الآن

فلتأتِ إليَّ الآن

الباب مفتوح و النافذة مفتوحة

و كل ما هو لي

و كل ما هو ليس لي

و كل ما رأيته و عشته و انتظرته

ينتظرك الآن:

المائدة و السرير و الضوء و رائحة جسدي

العشب و الأسماك و الأزهار و قلبي

كل شيء ينتظرك

كل شيء ينتظرك

فلتأتِ إليَّ الآن

إنَّ الزمن لا يتغيَّر أبدًا

إنَّ الزمن لم يتغيَّر قط

فالصيف كالخريف

و السبت يشبه الأحد و الأربعاء

أمَّا الذي تغيَّر دونما انقطاع

فهو نحن

نحن الذين نذهب إلى الحروب و المصانع و المراعي

و نبتكر كل ما له علاقة بنا:

الرصاص و الخبز

السجون و الحريَّة

السجائر و أقلام الرصاص

السكاكين و الورق و الأغاني

الألعاب و القيود و المبيدات الحشريَّة

إنَّنا نفعل كلّ ما نستطيع

بين يديك أيُّها العالم

بين يديك أيُّها العالم

دمي يسيل الآن

يسيل و أراه

يسيل و يتبعثر و يتشابك و يفترق

ينحني و ينكسر و يميل يسارًا و يمينًا

إنَّهُ دمي أيُّها العالم

دمي الصامت الثرثار

الذي يرسم بنفسه صورتي الشخصيَّة

و وجه من أحبُّ و أكره

بين يديك أيُّها العالم

متدفِّق و منطوٍ

بعيد و قريب

أتنقَّل من شارع إلى جدار

و من صديق إلى قاتل

و من أغنية إلى غبار

أتنقَّل و أتنقَّل

حاملاً خضاري و قمحي و كراريسي

بنادقي و زهوري و فراغي

دونما راحة و دونما تعب

ذلك أنَّني أعيش لأتساءل

أو أتساءل لأعيش:

ما الذي فعلت بنفسك يا هاملت؟

و ما الذي تنتظرينه يا بنلوب؟

و ماذا أعطت لك الحياة يا سقراط؟

و لم تثير رعبنا يا هيتشكوك؟

و أنتَ يا أبي...

أيُّها السكِّير، المريض، المقامر

أيُّها الحالم، الطيِّب، المسكين

أما زلت تتناول عشاءك المعتاد

بيضتين مسلوقتين

قليلاً من الزبدة

نصف رغيف

و همومًا كاملة

و أنتِ يا أمِّي...

أيَّتها الشجرة التي لم تثمر غيري

أما زلتِ تنامين باكرًا

عاريةً إلاَّ من أوراقك الخضراء

الخضراء دائمًا بين يدي العالم؟.

بين يديك أيُّها العالم:

النافذة مشرعة و أنا وحيد

(من يأتي إلى من)

الأضواء ساطعة و أنا معتم

(من يضيئني من)

السفر... السفر... السفر...

هو ما أريد

الحريَّة... الحريَّة... الحريَّة

هي ما أطلب

أن أضمَّ المرأة

و أسحب القمر من أنفه إلى غرفتي

أن أرقص و أرقص و أرقص

حتَّى تتعب الموسيقى

أن أحملك أيُّها العالم

أهدهدك كطفل

و أزعل منك إذا أخطأت في الحساب

أن آكل و أعمل و أشرب و أتنفَّس

كما يفعل المبدع الصغير الكبير

الذي يزرع القمح بين الصخرة و الصخرة

و يترك للطفل حريَّة الحركة و البكاء

المبدع الصغير الكبير

الذي يشبك يديه خلف ظهره

في العطلات الأسبوعيَّة

سعيدًا ببطاله النظيف

و ذقنه الحليقة

إبنك أيُّها العالم

إبنك الطويل، القصير، البدين، النحيل، الذكر، الأنثى، العاجز، العطشان، الخائف، المضيء، المتردِّد، المباشر، الصادق، البسيط، المغامر، المجنون...

إبنك الذي من سهول و ماعز و مطر كثيف

الضائع بين سبارتاكوس و نيرون

بين يسوع و يهوذا

الذي جرَّبَ كل شيء

و لم يتوصَّل إلى شيء

لأنَّهُ...

لأنَّهُ ما زال بين يديك أيُّها العالم.

... و أنا أنتظرك الآن

حزينًا كرسالة لم تصل

و وحيدًا كفزَّاعة عصافير

أنتظرك و أعرف أنَّك معي

رجلاً و امرأة و طفلاً

طيرًا و موسيقى و غابة و طريقًا طويلاً...

و سواء كنت في العمل أو البيت أو الشارع

أراك و أعرفك

أفتقدك و أسأل عنك

و أينما ذهبت سأتبعك

و كُلَّما التقيتك سأهرب منك

لكنَّني دائمًا... دائمًا

أفتح لك الباب و قلبي

و أقول تعال

قبّلني قبّلني قبّلني

قبّلني قبّلني قبّلني

هذه أصابعي و هاتان عيناي

هذه أظافري و أنيابي

و هذا هو جسدي

دافئًا و بردان و محمومًا

و هذه هي نفسي

فارغة إلاَّ من الصخور و الرمال

و ممتلئة بكل شيء

و كل شيء لا يستطيع احتواءها

حتَّى أنت...

حتَّى أنت أيُّها العالم.

بين يديك أيُّها العالم

أعدُّ حروبي و هزائمي و انتصاراتي

و أسجِّلُ أسماء الجلاَّدين و الضحايا

أسماء العشاق و الفاشلين و المغامرين و المضطهَدين

و لا أنسى إسمي

إسمي الوحيد، المتكرِّر، المتفرِّد

الذي يعرفه الجميع و لا يعرفه أحد

محمود أو الياس أو مريم

رياض أو سوزان أو عادل...

ما الذي يهمّني من ذلك؟

فالجميع يحبُّون و يكرهون و يزورون المقابر

(على الأقلّ مرَّة واحدة بعد عمر مديد)

و الجميع عندما ينامون

ينامون بطريقة واحدة و مختلفة

و لذلك لا نختلف في شيء

سوى أن بعضنا ينام بعين مفتوحة

و بعضنا لا ينام أبدًا

و بعضنا ينام دائمًا:

في قبر، أو حانة، أو وظيفة

في صحيفة، أو كتاب، أو متحف

و الجميع الجميع

يملكون الأيدي و الرقاب و الصدور و الذكريات

غير أنَّ بعضهم لا يملكون القلب

و بعضهم قلوبهم سوداء

و بعضهم رموا قلوبهم في البالوعات و استراحوا

استراحوا بين يديك أيُّها العالم

بين يديك أيُّها العالم

أدور و أدور و أدور

كدواليب الحظ

ثمَّ أتوقَّف على رقم

لا علاقة لي به

و سواء كنت ورقة يانصيب خاسرة أو رابحة

و سواء كنت رقمًا أحاديًّا أو مزدوجًا

فالحصان الخاسر لن ينال الجائزة

و الحصان الرابح لن يجني سوى القليل أو الكثير من التبن و الذرة

أمَّا الرابح الوحيد

فهو الذي يملك الحصان و يقوده و يوجِّهه

الرابح الوحيد

صاحب المهماز و السوط و القبضتين الفولاذيَّتين

و أنا ملكك أيُّها العالم

أنا جوادك الخاسر

و نحن ملكك أيُّها العالم

نحن جيادك الخاسرة

ننطلق و ننطلق و ننطلق

و أخيرًا إلى الاسطبلات نعود.

بين يديك أيُّها العالم

المدراس

القتل

الأصدقاء

النميمة

الثقافة

الكذب

التاريخ

التكرار

و الدولة هي الدولة

بين يديك أيُّها العالم

نحن لسنا سعداء

بين يديك أيُّها العالم

نحن لسنا تعساء

نحن لا شيء البتَّة

هذا ما يقوله النسيم

و هذا ما تقوله أمريكا

بين يديك أيُّها العالم

نردِّد الكلمات

الحريَّة... الحريَّة... الحريَّة

الخبز... الخبز... الخبز

الحب... الحب... الحب

إنَّنا نردِّد الكلمات

منذ توت عنج آمون

و حتَّى آخر جثَّة في بيروت الشرقيَّة

الخبز أيَّتُها الأمم المتَّحدة و المتفرِّقة

الحب أيُّها الله

الحريَّة أيَّتُها الأصفاد و الأسلاك الشائكة

و الحياة... الحياة

بين يديك أيُّها العالم

شباط ؟ 1980