قال سمعت أن ذئبا أبصرا
غزالة ترضع خشفا أحورا
لكنها مريضة هزيلة
وساقها مكسورة عليله
قد مسها الضر فعادت نضوا
يحسبها الراؤون منها شلوا
فقال إن أكلتها لم أشبع
وليس لحم مثلها بمقنع
والرأي أن أعلفها أياما
فإنها لا تجد الطعاما
لعلها تسمن ثم أعمد
يومئذ لها وذاك أرشد
فجاءها مسلما فقالا
والذئب لا يصادق الغزالا
إلا لكيد كامن ومكر
جز قصير أنفه لأمر
يا أخت ما حالك قالت شر
وغرها والشهم لا يغتر
وأظهر اللطف لها والرفقا
فقد رأته للشقاء حقا
وشكت الجوع إليه فبكى
وأظهر الخشوع والتنسكا
وقال إني تبت من عداوتي
للوحش حتى انكسرت ضراوتي
حلفت لا آكل جهد حلف
إلا الذي يموت حتف الأنف
فبئست الطبيعة القساوة
والفتك بالنفوس والضراوة
إن لم يكن جنسهم كجنسي
فإنما نفوسهم كنفسي
وإن إفسادي كون صوره
لشهوة تعرض أو ضروره
ظلم وجهل ليس فيه شك
ولست من إثم به أنفك
حتى متى تبكي العيون فتكى
كم مقلة من سوء فعلي تبكي
وكبد أحرقتها بالثكل
وولد أيتمته بالأكل
وقد علمت واللبيب يعلم
بالطبع لا يرحم من لا يرحم
فتبت من قساوتي وصبوتي
وقلت أمحو حوبتي بتوبتي
ومر من ساعته فجاءها
بعلف حشت به أحشاءها
ولم يزل يعلفها ويجتهد
كيدا ومن يعجز عن الأمر يكد
ولم تزل تدعو له وتشكره
مذ صدقت من نسكه ما يذكره
لم تدر كيف قصد أن يكيدها
أضحى يقوتها لكي يقودها
حتى إذا ما رجعت كالتولب
وأصبحت من شحمها كالشوقب
عافصها بوثبة شديده
محكما أنيابه الحديده
وهكذا لو تفهمون الأنس
يبركم أرفقهم ليقسو
وأنتم لقلة الأفهام
وسفه العقول والأحلام
ترون سوء فعلهم عيانا
ولا ترون ذالكم عدوانا
إن أقل من ترى أذهانا
من حسب الإساءة الإحسانا
قال أبو أيوب في جوابه
قد يغلب المرء على صوابه
إنك ما أنصفت في المقال
ولا عدوت زخرف المحال
لزمت للجهل قبيح الظاهر
وما نظرت حسن السرائر
وذاك فاعلم عادة الجهال
وسنة الأغمار والأرذال
إن يقصدوا ظواهر الأقوال
بالطعن والتزييف بالجدال
ويغفلون عن خفي الحكمه
ولو رأوها لأزالوا النهمه
كم حسن ظاهر قبيح
وسمج عنوانه مليح
وحكمة خافية ومصلحه
للناس في معارض مستقبحه
تخفى على الجهال والأغمار
لجهلهم بحكمة الجبار
من عرف الله أزال التهمه
وقال كل فعله للحكمه
قد تضرب الأم الرؤوم طفلها
فهل يذم ذو رشاد فعلها
لعلمهم بأنها شفيقه
على بنيها وبهم رفيقه
وإنما تضربه لنفعه
وزجره عن غيه ومنعه
لأنها أعلم بالمصالح
منه وأهدى للسبيل الواضح
وإن من يقصد قلع ضرسه
لم يعتمد إلا صلاح نفسه
وقد ترى شيخا كبيرا فانيا
عاش عقيما يرهب المواليا
ويسأل الله تعالى ولدا
حتى إذا رزقه ما نشدا
وجاءه ابن ذكر مثل القمر
والشيخ ذو مال كثير وبدر
أسلمه لقسوة المعلم
ولم يكن عليه ذا ترحم
يقتل في المكتب بالهراجر
ويقطع الليل بجفن ساهر
حتى إذا ما أتقن الآدابا
ألزمه الدكان والعذابا
وربما خاطر في البحر به
من بعد ما قاساه في مكتبه
فهل يقول قائل قد خرف
وإنه بفعله ما أنصفا
إذ هو ذو مال كثير العدد
وما أتاه غير هذا الولد
فلم بأصناف الأذى يعذبه
المال يكفيه فلم يهذبه
لم لا يكون وادعا في أهله
مقتنعا بماله وجهله
وهكذا الطبيب إذ يداوي
بالقطع والمسهل والمكاوى
وحقنة وكية وقطع
ومنضج صعب شديد اللذع
وربنا قد خلق السباعا
وحشرات خبثت طباعا
وفي الجميع حكمة خفيه
لله بل ظاهرة جليه
إن الذي في خلقه استوينا
هو الذي فضلهم علينا
وليس ذاك منهم بظلم
لأنهم يأتونه عن علم
فقالت العنقاء إن الموقا
ظن الفتى عدوه صدوقا
إن الجهول بيننا نعلمه
هو الذي ينصف من يظلمه
فما تقول الخيل فيما قد جرى
قلن صواب كل ما قد ذكرا
لأنهم ملاكنا والمالك
ليس له في أمره مشارك
يفعل ما شاء بلا استثناء
مختبرا للعبد بالبلاء
يصبر للقضاء أم لا يصبر
وهو به من قبل ذاك يخبر
قال له لقد جمعت كذبا
وسفها وقد أتيت عجبا
زعمت أن الإنس ملاك لكم
ومحسنون في الذي جاءوا بكم
وإن رب العرش قد سلطهم
عليكم حقا وقد بسطهم
من أين قلت ذاك يا مسكين
ابن لي الحق فما يبين
أي دليل لك في ذي الدعوى
لتجعل الشكر مكان الشكوى
إن قلت قالوا قلت دعوى منهم
مثلك يرويها لمثلي عنهم
وأن تقل بالرأي والعقول
فإنه مشترك الدليل
لو كان معقولا فهمناه معا
إذ استوينا في العقول أجمعا
إن كانت القدرة حقا فكذا
حق عليهم ما لقوا من الأذى
وكل ما يجري عليهم حق
وكل ما يقال فيهم صدق
وليس في العالم ظلم جار
إذ كل ما يجري بإذن الباري
وإن يكونوا ملكوا أفهاما
وفطنة ساسوا بها الأناما
فذاك ينهاهم عن العدوان
أجل ويدعوهم إلى الإحسان
وليس من عقل الفتى وكرمه
إفساد شخص كامل لقرمه
وكان في الخيل حصان أشقر
له رواء حسن ومنظر
يدعى الصبا لرفقه وسرعته
في جريه وشده وخفته
فقالت العنقاء قول منكر
لقوله ما أنت إلا مفتر
مكابر معاند محرف
وفي الجدال ظالم لا تنصف
هذا جحود ظاهر للصانع
وقصده بالحق والشرائع
قال وما فيه من الجحود
والكفر بالرسل وبالمعبود
قالت أما علمت أن الصانعا
أجرى القضاء معطيا ومانعا
وموجد الخلق على النظام
قصدا إلى مصالح الأنام
من أجلهم أوجد كل شيء
وكل رشد في الورى وغى
والأرض دار لهم والفلك
سقف لهم وجوه والحبك
وكل ما في الأرض من موجود
لهم بلطف الصانع المعبود
لما ارتضى الإنسان بالتكليف
حباه بالإكرام والتشريف
واختصه بالسر والمعامله
فضلا ونفسا للعلوم قابله
والوحي والثواب والعقاب
والوعظ والعتاب والحساب
والعقل والنطف وحسن السيره
والفهم والنية والسريره
فكان أعلى العالمين رتبه
وخيرهم منزلة وقربه
ولم يكن مقصوده بالخلق
إلا بني آدم فاسمع صدقي
ليعبدوه ويوحدوه
ويشكروه ويمجدوه
فكان كل الخلق عبدا لهم
ولست في مقالتي أتهم
وكل ما يظهر منهم عدل
ليس عليهم سبة وعذل
جباههم من أثر السجود
موسومة في خدمة المعبود
قد نحلوا بالصوم والعباده
ورفضوا اللذات للزهاده
قلوبهم معادن الإيمان
صدورهم خزائن القرآن
وفيهم الإيثار والسخاء
والصبر والوفاء والصفاء
كم دعوات لهم مجابه
تستنزل القطر من السحابه
ومنهم من يترك الحلالا
تورعا لربه تعالى
ومنهم من ينفق الأموالا
لوجهه ويلطف السؤالا
ومنهم مجاهد بنفسه
هادئة في الروع مثل ترسه
ومن يذيب نفسه للحج
من كل فج شاسع ونهج
والأنبياء منهم والرسل
والمال والسلطان وهو ظل
وفيهم حزم وعزم وصلف
وليس بعد العقل والنطق شرف
ولهم اللذات في المطاعم
ولبس كل رائق وناعم
لولا بنو آدم بين العالم
ما بان للعقول فضل العالم
ولم تبن هذي المعالي الفاخره
فإنما الدنيا لهم والآخره
أنسابهم محفوظة معروفه
في صحف مصونة مكنوفه
أسرارهم خافية لا تظهر
مستورة عن الورى لا تنظر
وفيهم العلوم والآداب
ولهم الأحلام والألباب
قد خلقوا في أحسن التقويم
وفضلوا بالقدر والجسوم
وإنما أجسامهم على قدر
لا صغر يشينها ولا كبر
وقامة سوية منصوبه
وصورة مقبولة محبوبه
ثم الصغير منهم بعقله
يقود ألفا منكم بحبله
ويقهر الفيل العظيم والأسد
بكيده حتى يعود كالفهد
ويرصد النجوم في أفلاكها
ويحفظ الجسوم من هلاكها
بالطب والتدبير والمعالجه
من الشكايا والبلايا الهائجه
وإنما أنتم بكفر فضلهم
وذم ما لم تعرفوا من فعلهم
كامرأة التاجر ضعف عقلها
والجهل أغراها بعيب بعلها
عابثة بالفضل والمحاسن
لجهلها بزائن وشائن
فقال من هذي وكيف القصه
ولم بنا أمثالها مختصه