يا عين كُفّي فهل ترجين ما ذهبا
صبرًا كفاك الذي من دمعك انسكبا
ويا فؤادًا عرَاه ما أضرَّ به
هَوِّنْ عليك فلن يرتدَّ ما سُلِبا
قد خلَّفوك وهل في القلب غيرهمُ
فهاج ذكرهمُ واستمطر العجبا
كم من يدٍ صافحتْهم وهي راغبةٌ
فبادلوها عطاءً يشبه السحبا
عادت وللغدر أحقادٌ تحرِّكها
وبادرتهم بكفٍّ تحمل القضبا
لم ترع فيهم عهودًا طالما قطعتْ
ولا قرابةَ تُدْنيهم ولا نسبا
وأعملت سيفها فيهم وحِدّته
من هول ما نابهم تدمي به الشهبا
هذا الحسام إليكم منه حِلْيته
والشفرتان لنا إنْ طامعٌ وثبا
لقطْفِ هام له بالأمس عزّته
واليوم لم يلق مأوى أينما ذهبا
راحت تلاحقهم غربًا وفي يمنٍ
وأثخنَتْهم وخانت كل ما وجبا
يا ويلهم قطعوا كَفّاً تساندهم
وتستجيب لهم إن جرّعوا العطبا
كانت تواسيهمُ تأسو جراحهمُ
ما بالهم بتروا الأوتاد والطنبا
كأنهم أقلقَتْهم في مضاجعهم
وكان حنقهمُ يغلي بهم حقبا
ففجَّروا كل حقدٍ في نفوسهم
والحقد يختلق الأعذار والسَّببا
مالوا بأسيافهم يستقطرون دمًا
كأنهم يعشقون الفتك والغلبا
كانوا لنا تبعًا والأصل يجمعنا
وكم أظلَّ وأحيا العُجْمَ والعربا!
ماذا جرى ورياض الصَّفو عامرةٌ؟
ماذا جرى؟ كيف تحسو المرَّ والوصبا؟
هُبّوا تَرَوا دارة الفيحاء قد عبثت
أيدٍ بها وسقت أفياءها الكربا
دمشق كانت رياحينا منضَّرةً
وكل أطيارها تشدو لها طربا
حَبَاكِ يا شامة الدنيا مكارمه
ربُّ الأنام فكوني موئلاً رحبا
عودي لهم ذلك الكهف الحصين كما
قد كنت في سالف الأيام معتصبا
سلوا أميّة هل في الرمس محتركٌ؟
قد ضجَّ فيها طموحٌ عارمٌ ونبا
ترنو إليكم جموعٌ وهي باسلة
تشكو وتأْرَق مما نابهم نصبا
أين الوجوه التي كانت تضاحككم؟
فكل وجهٍ غدا بالهمِّ مكتئبا
ولم يعدْ بردى والحور تحضنُهُ
مصفِّقًا ويناغي الزهر والعشبا
حورانُ، جِلَّقُ ما عادت كعهدكمُ
تبدّل الحقُّ فيها واختفى هربا
ولا ترى الغوطة الغناء باسمةً
تموج صفوًا، وأضحى أهلها غُرَبا
كل المرابع تبكي أين سيّدها
وأين فرسانها مَنْ طاولوا الشهبا؟
وأين أحرارها لم يثْنِهم طلب
عن المعالي وعافوا المال والنشبا؟
سادوا وأعلَوا وقد طاف الرّخاء بهم
وعَمّ يغدق يعطي كلَّ من طلبا
لم يستكينوا لعاتٍ أو غفَوا هربًا
من العدوّ وكانوا للجهاد أبا
لكنه الغدر غدر الأقربين وكم
ينال بالغدر من داناك واقتربا
مهلاً أميّةُ إن الدهر ذو عَجَبٍ
قد غال من طاردوكم واحتوى حصبا
كأن بغداد لم تزهُ بهم أبدًا
يومًا وما حمَتِ الأسيافُ بيضَ ظِبا
تئن من وطأة الظُلاَّم حائرة
وتلك أوْرَثَها طغيانهم رعبا
دمشق صبَّ الحيا من كل بارقةٍ
عليك طيبًا وعمَّ الخير واقتشبا
ودمت دهرًا ملاذ الناس كلهم
ومعقلاً حضن الإسلام والعربا
كنتم كبرقٍ سناه لاح واضطربا
أو كوكبٍ هلّ في الآفاق واغتربا
يا ضيعةَ المجد والأحقادُ تصرعُهُ
يا ضيعةَ الأهل عافوا الأصل والنسبا
كنتم وكنا نمدّ الكفَّ طاهرةً
تلاحمًا وإخاءً يُخصب الأدبا
يا ضيعةَ الخصب راح الجدب يطرده
وأقفرتْ جنةٌ بالشام حين خبا
لا العاصِ[ي]، لا بردى تزهو مرابعُهُ
والحقد أزرى بها مُذْ أرَّثَ الغضبا
عرّيتمُ الأرضَ لا الأغصان زاهرةٌ
والأنس غاص وكل الأنس قد سلبا
غدت كأعجاز نخلٍ لا ظلال بها
ولا ثمارًا ولكنْ أصبحت حطبا