يمرُّ الفناءُ،
ويبقى مجرّدَ أثرٍ
كفكرةٍ
مضتْ في الجسد،
واستقرّتْ
في برزخِ العدم.
هكذا هي
زهرةُ الحياة.
كأنَّ الوجودَ
وقد أعيتهُ كثافةُ الحجر،
اقتطعَ من صمتِهِ قبسًا،
ثم علّقَهُ على غصنٍ
لكي يتذكّرَ نفسَه.
ما البياضُ؟
ليس لونًا.
اللونُ شأنُ العين.
أمّا هذا
فشيءٌ أعمقُ من النظر:
المعنى
حين يخلعُ عن نفسِهِ مادّتَهُ
ويصيرُ قابلًا للَّمسِ
دون أن يُمسّ.
لهذا
كلُّ ما هو عظيمٌ
يبدو في البدءِ هشًّا.
الجبلُ يحتاجُ إلى قرونٍ
كي يفرضَ صمتَه،
والبحرُ يحتاجُ إلى عواصفَ
كي يُعلنَ هيبتَه،
أمّا زهرُ اللوز
فلا يحتاجُ إلا إلى لحظةٍ
كي يفضحَهما معًا.
في حضرتِهِ
أفهمُ متأخّرًا
أنَّ القوّةَ ليست في ما يبقى،
بل في ما يمرُّ
ويتركُ في الروحِ
ندبةً من نور.
من هنا
يبدأُ الخوف.
لا من الفناء،
بل من هذا الكشفِ المفاجئ:
أنَّ أعمارَنا الثقيلةَ
قد لا تساوي
رجفةَ غصنٍ
حين يتعلّمُ كيفَ ينطقُ بالأبد.
وحينَ يتساقطُ
لا ينتهي.
الانتهاءُ للأشياءِ التي استنفدتْ معناها.
أمّا هو
فيهبطُ إلى الترابِ
كما تهبطُ الحكمةُ
من علُوِّها
كي تصيرَ جزءًا من الدم.
أمامَ زهرِ اللوز
أكادُ أصدّقُ
أنَّ الخلقَ لم يكنْ حادثةً قديمة،
بل فعلًا يتكرّرُ الآن،
في هذه اللحظةِ بالذات،
كلّما انتصرَ الهشُّ
على قانونِ الثقل.
لهذا
لا أحبُّهُ لأنَّهُ جميل.
أحبُّهُ
لأنَّهُ الكائنُ الوحيدُ
الذي يمرُّ على العالمِ
خفيفًا…
ثم يتركُهُ
أقلَّ يقينًا،
وأكثرَ حقيقة.