كانوا يقولون: لن نمضي، وننتقلُ
فالدار من بعدهم، من وحشة طللُ
كانوا يقولون: لا تبك الفراق إذا
حمَّ الفراق، فهذا الدمع منهملُ
لا تبك من غاب، فالغيابُ ما سألوا
عنك الغداة، تراهم بالنوى خجلوا
ولا ترق دمع هذي العين من شغف
فإنهم أوغلوا في البعد، مذ رحلوا
كانوا يحيونك الصبح الجميل بما
في عينهم من نعاس دونه العلل
كانوا ينادونك: الإلفَ الذي ألِفوا
ويقبلون إذا ما جئت يا رجلُ
ويكتبون قوافي الحبَّ في نغمٍ
في طرسه النايُ، في اسطاره الزجلُ
وكنت تنشدهم في الليلِ قافية
باتت عليك ببرد الصبح تشتعلُ
كانوا يحنون، أو يبكون من شجنٍ
وربما ضحكوا، أو مسهم مللُ
آثارهمْ والبقايا والهوى تعبتْ
من بعدهم، ليتهم يا صاحُ ما عجلوا
تلك القبور قديمات كأنَّ لهمْ
من ألف عامٍ رحيلٌ، طال مذ أفلوا
أبكي فتبكي من الأبوابِ مقبضةٌ
مست أكفهمُ، لما لها وصلوا
والآن لم يبق منهم ها هنا أحدٌ
سيانَ وحدكَ، أن ماتوا وأن قتلوا
من ذا تنادم، لا طيف الخيال دنا
وليس ثمة ذكرى، فيك تحتفلُ
أوقد دموعك، أدفيءْ صدركَ، احتدمت
فيك الأعاصير، حيث البرد يعتملُ
لا ترج يوم لقاءٍ إنهم رحلوا
وأنت تعلم لا بقيا لمن رحلوا