كنتُ أظن الموتَ جدارًا
لكنني أراه الآن نافذة..
أطلُّ منها عليكم
تتقافزون أمامي بلا أقنعة
بلا أصوات
بلا حجج أو مبررات...
من هذا العلوِّ
أرى في الماء البعيد وجهي شاحبًا
يااا كم ضيعتُ من لحظاتٍ لم أجرؤ على عيشها!
كنتُ على أطراف قدميّ أمشي
لا يشعر بي الهواءُ
ولا تسمع صوتي الريح
ولا أركض حافيةً في حقول الحب..
الآن ما عدتُ جسدًا
ما عدتُ اسمًا في سجلٍّ مدنيّ،
ولا ظلًا يُرى في المرايا
الآن، نسمة في شقوق الضوء، أنا
حزنٌ ناعم يمرُّ بين أضلاعكم دون أن ينتبه له أحد،
رعشةٌ خفيفةٌ تعبر قلوبكم عند الفجر
ولا تعرفون لماذا تنهمر دموعُكم فجأة..
حين صعدتُّ
رأيتُ الموتَ بوابةً من زجاجٍ رقيق
عبرتُها، فانكشفتْ لي كما لم أعرفها الحياةُ..
كل ما كان يبدو لي مهمًّا… تبخّر،
صاروا صغارًا.. الذين خذلوني
والذين أحببتهم… صاروا طينًا
يمشون فوق الأرض بثقلٍ
بينما كنتُ وأنا طينٌ أراهم أقمارا..
بكيتُ على خفقةٍ لم أعشها
على ضحكة انصهرتْ في جنازات الحزن التي لا تنتهي
تمنيتُ لو كنتُ أقلّ حذرًا
لو عشت الحياةَ
كما تُعاش القصائد التي لا تخاف من مجازاتها..
لو كنتُ أكثر حضورًا
لكنتُ فتحت صدري للريح
وغنيتُ في الأسواق
وبكيت في القطارات
وقلت: "لا" حين كنت أرتجف من قولها
و"نعم" حين كانت الحياة تمدّ يدها لي بالفراشات والحلوى..
من مقامي الآن
أرى كيف يمرّ العشاقُ ببعضهم
كأن الحب لم يصافح يوما أضلعهم..
كيف يخاف الناس من الحب أكثر من الحرب؟!
وكيف يخافون من الفرح أكثر من الشقاء؟!
أدركتُ أنني خفتُ من اتّساعي
فانكمشتُ
خفتُ من نورٍ يسكن داخلي
فأطفأته بأعذار العقل
كنت أمتلك جسدًا، فخفتُ أن أكونه
وأمتلك صوتًا، فخفتُ أن أطلقه نسيما في أرواح الحيارى
وكنت أملك قلبًا… فحبسته خلف ضلعين من الحذر..
يا ليتني أخطأت أكثر
يا ليتني أحببت أكثر
يا ليتني سجدتُ في الطرقات حين شعرتُ بالحيرة
يا ليتني هربتُ من العقل حين اشتقتُ الجنون..
فهمتُ الآن
بعد فوات الأوان
أن الله… كان أقرب من أنفاسي إليّ،
يمشي بجانبي بينما أظن أنه بعيد..
الآن.. من وراء الحجاب
أعترفُ:
لم أُرِدْ عمرًا أطول
بل احتجتُ قلبًا أجرأ
لا يخجل من خطاياه المملوءة بالحياة
من خسارات يغامر بها لكي "يكون"
ومن وقوعٍ كاملٍ دون ندم..
مرة واحدة تُكتبُ أرواحنا
وألف مرةٍ حين لا تُقرأُ
نموت.