أيها الساقي أدرْ كأس المدامْ
في رياضٍ نشرُها يحكي النِّثارا
فاجتني من يانع الوصل ثمارا
وبها الشحرور قد قام خطيبْ
فوق غصن البان يشدو بلحونْ
وله لمّا أجاب العندليب
بصداه هاج في القلب شُجون
ونحاه الطير في طورٍ عجيب
كغوانٍ بالغِنا حُزْنَ الفنون
حان شُربُ الراح هبُّوا يا نيامْ
لمدامٍ حكتِ التبرَ اصفرارا
نَشْرها أطيبُ من نشر الخُزام
من شذاها أضحت الخَلْق سكارى
ضحكتْ في كأسها بنتُ العنبْ
والندامى قطّبوا منها الوجوهْ
حَببٌ ترقص في كأس الذهب
عندما الساقي بألحانٍ يفوه
وغدا المطربُ من فرط الطرب
يهَبُ العقل اشتياقًا فاسألوه
صرخدٌ قد خبَّرتنا عهد سامْ
أن من مات بها صدقًا وهام
نال في أعلى مكان العشق دارا
وبروحي غادةٌ تسبي العقولْ
رِيقها يُزري بصهباء الدنانْ
علّمت أعطافُها الغصنَ الذبول
وثناياها روى عنها الجُمان
ووِشاح التبر في الخصر يجول
خجلتْ منه غوانيها الحسان
مذ دنتْ أصْمَتْ فؤادي بسهامْ
نسرُ عقلي ترك الوكر وطارا
وبها بلبلُ فكري مستهام
لم يزل يصدح بالوجد جهارا
عقربُ الصُّدغ على الخدِّ انعطفْ
يحرس الوجنة عن عين الرقيبْ
من لماها ضَرَبَ النحل ارتشفْ
ليتها كانت لمضناها نصيب
وبصحن الخدّ خالٌ قد وقف
قال للصدغين مذ قام خطيب
ادخلا الصرح فقد سُلَّ الحسام
من جفونٍ تترك الناس حيارى
وعيون الصدغ قد شامت وشامْ
بعقيقٍ زانه الوشم اخضرارا
خلِّني من ذكر ربّات الحجالْ
ومن الغزلان في وادي العقيقْ
واتركِ التشبيب في وصف الجمال
واطَّرحْ رشف ثغورٍ كالرحيق
وأعدْ لي مدح أصحاب الكمال
والعلا واسبكْه في شعرٍ رقيق
فهمُ من بيت مجدٍ لا يُرامْ
عجزا عن شأوه كسرى ودارا
ورقوا من ذروة الفضل سنامْ
فغدوا في معصم الفخر سِوارا
كيف لا [يسموا] إلى أوج العلا
و[ينالوا] الفخر طول الأزمنهْ
ومن العزِّ [يحلّوا] منزلا
و[يجوزوا] من ثناه أحسنه
من غدا للشرع حصنًا ودعامْ
وبه الدين الحنيفيّ استنارا
فترى الملك بعزٍّ وانتظام
وأزاح البؤس عنا والضِّرارا
لذِّذِ السمعَ بذكر النُّقَبا
لمعالي المجد صيغوا عِقد جِيدْ
طاولوا في العزّ حتى الشهُبا
نقطة الباء بهم كان سعيدْ
شمسُ فضلٍ كم أنارت كوكبا
وبها الأقطار نورًا تستزيد!
كفُّه أخجل بالسحِّ الغمامْ
وحبا الوفد لُجينًا ونُضارا
وبناديه إذا حلَّ المضام
كان في شامخ علياه مُجارا
مِن سَراةٍ بهمُ دار الفلكْ
فضلُهم قد جاء في نصِّ الكتابْ
وسنا أنوارهم يجلو الحَلَكْ
ونجاةٌ للورى يومَ الحساب
آلُ بيت الوحي هم فاقوا الأنام
لبسوا التقوى شعارًا ودثارا
حبهم والبغضُ خسرٌ واعتصام
فهمُ دون الورى طابوا نِجارا
ابنُ من أرشد أصحاب الطريقْ
وله أُسْدُ الشرى قد خضعتْ
مُنجد النادب من كربٍ وضيق
وله كفُّ التهامي رُفِعَت
إن تخف من سمّ أفعى وحريقْ
فله الأسرار جمعًا جُمعت
الرفاعيْ قُدوة القوم الكرامْ
من سقى القوم من التقوى عقارا
وترى السالك من فرط الغرامْ
يحسب الجنة إذ يدخل نارا
وغدت أكمامها تبدي العجبْ
عند ما أحمدُ فيها أزهرا
حسبًا طابوا وفرعًا ونسبْ
ولقد باهت بهم أمُّ القرى
فهمُ في العز في أعلى مقامْ
وهمُ في الطيب رَنْدًا وعَرارا
كلَّ طودٍ منهم صعب الزمام
وبْلُ كفّيه خضمٌّ لا يجارى
فاح طيب المسك في كل البلادْ
بامتداح الشهم ذي القَدْر الجليل
من حوى الطارف مجدًا وتلاد
رجب الخيرات ذي الفضل الجميل
وترى منه الندى يحكى الغوادْ
لا يُضاهى في كثيرٍ وقليل
والندى إن قيل في مصرَ وشام
كان من كفّيه جودًا مستعارا
وكذا إن قيل من يرعى الذمامْ
كلُّ فردٍ لمعاليه أشارا
ونشرت المدح من بعد الطوى
في سجايا الشهم مولانا رجبْ
من لأوصاف المعالي قد حوى
مدحه حقًا علينا قد وجب
كم فؤادٍ للأعادي قد شوى
ولمن والاه جودًا يُنتدَب؟
طبعُه راقَ كما راق المدامْ
ورياضًا شِمْتُ فيه الجُلّنارا
لفظه الرائق قد فاق النظام
كلما كرّره يُطفي الأُوارا
وافتخرْ في «طالب» الشهم الغيورْ
باذلِ العدل بكل الأمكنهْ
ساسَ في آرائه كل الأمورْ
فالتقى والفضلُ منه شنشنه
عمّرَ الأرجاء بل سدَّ الثغور
كلما حلَّ بقطرٍ وطَّنه
حازمٌ في الرأي لو شدَّ الحزام
ماردُ الظلم من الخوف توارى
فترى الأجواء منه في ابتسام
وغدت تسحب في الفخر الإزارا
هو قاموسٌ صِحاح الكلماتْ
نَوَّرَ البصرة في طبعٍ عجيبْ
واكتست منه برودًا زاهياتْ
فغدت ترفل في ثوبٍ قشيب
وهو مصباح ظلامِ المشكلات
فكره كالبدر نورًا لا يغيب
من أناسٍ فضلُهم بين الأنام
مزهرٌ كالخال في خَدّ العذارى
طفلُهم من قبل أن يأتي الفِطام
كان في الحلبة لا يخشى العِثارا