القَلْبُ يَسْأَلُ شَاكٍ هَدَّهُ التَّعَبُ
هَلْ مِن غَدٍ فِيهِ قَدْ يَلْقَاكِ يَا حلبُ
هَلْ يَبْرُدُ الشَّوقُ يَومًا حِينَ يَجْمَعُنا
بَعْدَ الفِرَاقِ هَوىً إذْ تَسْقُطُ الحُجُبُ
طُولُ المَسِيرِ الَّذِي بَينِي وَبَينَكِ مَا
أَدْنَاهُ شِعْرٌ مَدى الأَيَّامِ مُكْتَرِبُ
بَلْ رُبَّمَا طَيرَةٌ مَرَّتْ تَزُورُكِ قَدْ
عَادَتْ تَطِيشُ كَأنَّ الجُنْحَ مُضْطَرِبُ
حَطَّتْ عَلَى شُرْفَةِ الأَحْزَانِ تُقْرِئُنَا
مِنْكِ السَّلامَ لَهُ الأَجْفَانُ تَنْعَصِبُ
قَالَتْ هُنَالِكَ لَمْ تَطْوِ السُّنُونُ لَكُمْ
ذِكْرًا وإِنَّ الثَّرَى مِنْ مَائِكُمْ رَطِبُ
تلك الأزِقَّةُ كَمْ تَشْتَاقُ مُهْجَتَها
مَحْزونَةُ دَمْعُهُا لَا زَالَ يَنْسَكِبُ
لَمَّا هَوَيْتُ بِرِيحٍ مِنْكُمُ ابْتَسَمَتْ
كَأَنَّهَا اللَّيلُ تَجْلُو عَتْمَهُ الشُّهُبُ
وَارَتْ عَلى مَضَضٍ خَلْفَ ابْتِسَامَتِها
جَيْشًا مِنَ الوَجْدِ يَدْعُوكُمْ وَيَرتَقِبُ
أَيْنَ الَّذِينَ مِرَارَ الوَصْلِ قَدْ طَعِمُوا
وَفِي الغِيابِ أُجَاجَ الشَّوقِ قَد شَرِبُوا
جِرَاحُ أَجْنَانِهِمْ فِي البُعْدِ هَلْ بَرِئَتْ
أَمْ دُونَ نِسْيانِهِا قَدْ حَالَتِ النُّدَبُ
قُولِي لَهُمْ أَنَّنِي مَازِلْتُ أَذْكُرُهُمْ
وَلَمْ يَزَلْ مِنْبَرِي عَنْهُم لَهُ خُطَبُ
لَمَّا تَمُتْ قِصَّةُ العِشْقِ الَّتي كُتِبَتْ
فَوقَ التُّرابِ وإن قَدْ شَابَها عَتَبُ
عَسَاهُ مُتَّسعٌ في العُمْرِ يُكْمِلُهَا
إنْ عادَ يَقْرَعُ بَابَ النَّصْرِ مُغْتَرِبُ
سِلَالُ حُبِّكُمُ أَوْدَعْتُهَا كَبِدِي
لا زَالَ يَمْلَؤُها التُّفَّاحُ والعِنَبُ
لَا زال سُكَّرُهَا حُلْوًا يَقُولُ لَكُمْ
عُودوا فما لِلْهَوَى مِنْ بَعْدِكُمْ سَبَبُ
ما طالَ لَيلٌ وَما اشتَدَّ الظَّلامُ بِه
إلَّا تَوَلَّى لأنَّ الصُّبْحَ يَقْتَرِبُ
رَدَّ الفُؤادُ بِحَرِّ مَا يُقَارِعُهُ
لَيْتَ الحَيَاةَ مَعَ الآمَالِ تَصْطَحِبُ
كَمْ أَمَّلَ الدَّهْرُ أَقْوامًا فَأَخْلَفَهُمْ
والشَّوقُ مَا انْفَكَ فِي الأَعْمَاقِ يَلْتَهِبُ
كَأَنَّ مَا حَمَلُوا فِي رَحْلِ غُرْبَتِهِمْ
مِنْ ذِكْرَيَاتٍ لَهُمْ حَسْبٌ وَمُحْتَسَبُ
مَا وَدَّعَتْ مَا جَنَاهُ المَوتُ فِلْذَتَها
أَمٌ بِهِمْ وَدَّعَتْ أَفْلَاذَهَا حَلَبُ
فَالأَهْلُ مَنْ كَانَ بَسَّامًا مُحَيَّاهُمْ
بَعْدَ الرَّحِيلِ عَفَى أَجْسَامَهُمْ نَصَبُ
حَتَّى الَّذِي أَنِفَتْ هَجْرًا صَرِيمَتُهُ
كَذَاكَ مَا بَرِحَتْ عَينَاهُ تَنْتَحِبُ
إِنْ كَانَتِ النَّارُ تَشْوِي العَينَ لَهْبَتُهَا
فَكَيفَ يَأْمَنُها في وسطِهَا الحَطَبُ
نِصْفٌ مِنَ الرُّوْحِ يَجْرِي فِيكِ مُبْتَئِسًا
وَآخَرٌ فِي فضَاءِ الفَقْدِ مُغْتَرِبُ
كَالقَبْرِ مَنْ فِيهِ قَدْ ضَاقَتْ بِهِ رُحَبٌ
وَمَنْ نَأَى عَنْهُ لَنْ تَعْيا بهِ التُّرَبُ
إِنْ أَمْسَكَ الغَيمُ عَنْ أَرْضٍ خَزَائِنَهُ
وَالْكُلُّ أَصْبَحَ ظَمْآنًا فَمَا العَجَبُ
يَا دَارُ مَا عَادَ فِي الأَيَّامِ مِنْ أَمَلٍ
وَلَمْ تَعُدْ لِلِّقَا تَوَّاقَةً إِرَبُ
إِنَّ الفِرَاقَ ضُرُوبٌ عَلَّ آلَمُهَا
هَجْرَ المُحِبِّ حَبِيبًا جُرْحُهُ ثَغِبُ
تَبْكِيكِ يَا غُرَّةَ الأَشعَارِ أَحْرُفُهَا
شِعْرًا يَفُوحُ أَسَىً يَنْدَى لَهُ الأَدَبُ
يَقُولُ مِنْكِ لَسَانُ الحَالِ مُنْكَفِأً
وَالسَّيفُ فِي عُهْدَةِ الأَنْذَالِ ينعَطِبُ
إِنِّي بِكَفِّ خَؤُونٍ لَسْتُ أحْسَبُهُ
إِلّا أَفُولًا وَإِنْ طَالَتْ بِهِ الحِقَبُ
الدَّهْرُ يَوْمَانِ، هَاقَدْ دَار أوَّلُها
كَمَا تَمَنَّى، وَيَبْقَى آخَرٌ كَرِبُ