تخطَّ إلى المحتوى

لقد جشأت نفسي عشية مشرف

الطويل

٧٢ بيت

النسيب

لَقَدْ جَشَأَتْ نَفْسِي عَشِيَّةَ مُشْرِفٍ

وَيَوْمَ لِوَى حُزْوَى فَقُلْتُ لَهَا صَبْرَا

تَحِنُّ إِلَى مَيٍّ كَمَا حَنَّ نَازِعٌ

دَعَاهُ الهَوَى فَارْتَادَ مِنْ قَيْدِهِ قَصْرَا

فَقُلْتُ ارْبَعَا يَا صَاحِبَيَّ بِدِمْنَةٍ

بِذِي الرِّمْثِ قَدْ أَقْوَتْ مَنَازِلُهَا عَصْرَا

أَرَشَّتْ بِهَا عَيْنَاكَ حَتَّى كَأَنَّمَا

تُحِلَّانِ مِنْ سَفْحِ الدُّمُوعِ بِهَا نَذْرَا

وَلَا مَيَّ إِلَّا أَنْ تَزُورَ بِمُشْرِفٍ

أَوِ الزُّرْقِ مِنْ أَطْلَالِهَا دِمَناً قَفْرَا

تَعَفَّتْ لِتَهْتَانِ الشِّتَاءِ وَهَوَّشَتْ

بِهَا نَائِجَاتُ الصَّيْفِ شَرْقِيَّةً كُدْرَا

فَمَا ظَبْيَةٌ تَرْعَى مَسَاقِطَ رَمْلَةٍ

كَسَا الوَاكِفُ الغَادِي لَهَا وَرَقاً نَضْرَا

تِلَاعاً هَرَاقَتْ عِنْدَ حَوْضَى وَقَابَلَتْ

مِنَ الحَبْلِ ذِي الأَدْعَاصِ آمِلَةً عُفْرَا

رَأَتْ أَنَساً عِنْدَ الخَلَاءِ فَأَقْبَلَتْ

وَلَمْ تُبْدِ إِلَّا فِي تَصَرُّفِهَا ذُعْرَا

بِأَحْسَنَ مِنْ مَيٍّ عَشِيَّةَ حَاوَلَتْ

لِتَجْعَلَ صَدْعاً فِي فُؤَادِكَ أَوْ وَقْرَا

بِوَجْهٍ كَقَرْنِ الشَّمْسِ حُرٍّ كَأَنَّمَا

تَهِيضُ بِهَذَا القَلْبِ لَمْحَتُهُ كَسْرَا

وَعَيْنٍ كَأَنَّ البَابِلِيَّيْنِ لبَّسَا

بِقَلْبِكَ مِنْهَا يَوْمَ مَعْقُلَةٍ سِحْرَا

وَذِي أُشُرٍ كَالأُقْحُوَانِ ارْتَدَتْ بِهِ

حَنَادِيجُ لَمْ يَقْرَبْ سِبَاخاً وَلَا بَحْرَا

وَجِيدٍ وَلَبَّاتٍ نَوَاصِعَ وَاضِحٍ

إِذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ نَضْحِ جَادِيِّهَا صُفْرَا

فَيَا مَيُّ مَا أَدْرَاكِ أَيْنَ مُنَاخُنَا

مُعَرَّقَةَ الأَلْحي يَمَانِيَةً سُجْرَا

قَدِ اكْتَفَلَتْ بِالحَزْنِ وَاعْوَجَّ دُونَهَا

ضَوَارِبُ مِنْ خَفَّانَ مُجْتَابَةٌ سِدْرَا

حَرَاجِيجَ مَا تَنْفَكُّ إِلَّا مُنَاخَةً

عَلَى الخَسْفِ أَوْ نَرْمِي بِهَا بَلَداً قَفْرَا

أَنَخْنَ لِتَعْرِيسٍ فَمِنْهُنَّ صَارِفٌ

يُغَنِّي بِنَابَيْهِ مُطَلَّحَةً صُعْرَا

وَمُنْتَزَعٌ مِنْ بَيْنِ نِسْعَيْهِ جِرَّةً

نَشِيجِ الشَّجَا جَاءَتْ إِلَى ضِرْسِهِ نَزْرَا

طَوَاهُنَّ قَوْلُ الرَّكْبِ سِيرُوا إِذَا اكْتَسَى

مِنَ اللّيْلِ أَعْلَى كُلِّ رَابِيَةٍ خِدْرَا

وَتَهْجِيرُنَا وَالمَرْوُ حَامٍ كَأَنَّمَا

يَطَأْنَ بِهِ وَالشَّمْسُ حَامِيَةٌ جَمْرَا

وَأَرْضٍ خَلَاءٍ تَسْحَلُ الرِّيحُ مَتْنَهَا

كَسَاهَا سَوَادُ اللّيْلِ أَرْدِيَةً خُضْرَا

قَمُوسٍ بِخِمْسِ الرَّكْبِ تَيْهَاءَ مَا يُرَى

بِهَا النَّاسُ إِلَّا أَنْ يَمُرُّوا بِهَا سَفْرَا

طَوَتْهَا بِنَا الصُّهْبُ المَهَارَى فَأَصْبَحَتْ

تَنَاصِيبُ أَمْثَالُ الرِّمَاحِ بِهَا غُبْرَا

مِنَ البُعْدِ خَلْفَ الرَّكْبِ يَلْوُونَ نَحْوَهَا

بِأَعْنَاقِهِمْ كَمْ دُونَهَا نَظَراً شَزْرَا

إِذَا خَلَّفَتْ أَعْنَاقُهُنَّ بَسِيطَةً

مِنَ الأَرْضِ أَوْ خَشْنَاءَ أَوْ جَبَلاً وَعْرَا

نَظَرْنَ إِلَى أَعْنَاقِ رَمْلٍ كَأَنَّمَا

يَقُودُ بِهِنَّ الآلُ أَحْصِنَةً شُقْرَا

وَسِقْطٍ كَعَيْنِ الدِّيكِ عَاوَرْتُ صَاحِبِي

أَبَاهَا وَهَيَّأْنَا لِمَوْقِعِهَا وَكْرَا

مُشَهَّرَةٍ لَا يُمْكِنُ الفَحْلُ أُمَّهَا

إِذَا نَحْنُ لَمْ نُمْسِكْ بِأَطْرَافِهَا قَسْرَا

أَخُوهَا أَبُوهَا وَالضَّوَى لَا يَضِيرُهَا

وَسَاقُ أَبِيهَا أُمُّهَا عُقِرَتْ عَقْرَا

قَدِ انْتَتَجَتْ مِنْ جَانِبٍ مِنْ جُنُوبِهَا

عَوَاناً وَمِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبِهَا بِكْرَا

فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتُهَا وَهْيَ طِفْلَةٌ

بِطَلْسَاءَ لَمْ تَكْمُلْ ذِرَاعاً وَلَا شِبْرَا

فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْهَا إِلَيْكَ وَأَحْيِهَا

بِرُوحِكَ وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَة قَدْرَا

وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِسِ الشَّخْتِ وَاسْتَعِنْ

عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا

فَلَمَّا جَرَتْ فِي الجَزْلِ جَرْياً كَأَنَّهُ

سَنَا الفَجْرِ أَحْدَثْنَا لِخَالِقِنَا شُكْرَا

وَلَمَّا تَنَمَّتْ تَأْكُلُ الرِّمَّ لَمْ تَدَعْ

ذَوَابِلَ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَا خُضْرَا

وَقَرْيَةِ لَا جِنٍّ وَلَا أَنَسِيَّةٍ

مُدَاخَلَةٍ أَبْوَابُهَا بُنِيَتْ شَزْرَا

نَزَلْنَا بِهَا لَا نَبْتَغِي عِنْدَهَا القِرَى

وَلَكِنَّهَا كَانَتْ لِمَنْزِلِنَا قَدْرَا

وَمَضْرُوبَةٍ فِي غَيْرِ ذَنْبٍ بَرِيئَةٍ

كَسَرْتُ لِأَصْحَابِي عَلَى عَجَلٍ كَسْرَا

وَسَوْدَاءَ مِثْلِ التُّرْسِ نَازَعْتُ صُحْبَتِي

طَفَاطِفَهَا لَمْ نَسْتَطِعْ دُونَهَا صَبْرَا

وَأَبْيَضَ هَفَّافِ القَمِيصِ أَخَذْتُهُ

فَجِئْتُ بِهِ لِلقَوْمِ مُغْتَصِباً ضَمْرَا

وَمَقْرُونَةٍ مِنْهَا يَدَيْهَا بِرِجْلِهَا

حَمَلْتُ لِأَصْحَابِي وَوَلَّيْتُهَا قُتْرَا

وَمَكْنِيَةٍ لَمْ يَعْلَمِ النَّاسُ مَا اسْمُهَا

وَطِئْنَا عَلَيْهَا مَا تَقُولُ لَنَا هُجْرَا

وَإِنْ ظُلِمَتْ لَمْ تَنْتَصِرْ مِنْ ظَلَامَةٍ

وَلَمْ تُبْدِ نَاباً لِلقِتَالِ وَلَا ظُفْرَا

وَأَسْوَدَ وَلَّاجٍ بِغَيْرِ تَحِيَّةٍ

عَلَى الحَيِّ لَمْ يُجْرِمْ وَلَمْ يَحْتَمِلْ وِزْرَا

قَبَضْتُ عَلَيْهِ الخَمْسِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ

وَلَمْ أَتَّخِذْ إِرْسَالَهُ عِنْدَهُ ذُخْرَا

وَخَلْقٍ بِلَا رُوحٍ تَضَمَّنَ صُحْبَتِي

يُسَايِرُنِي مَا إِنْ يُفَارِقُنِي فِتْرَا

وَشَيْخِ أُنَاسٍ يَلْبَسُونَ شَبَابَهُ

قَصِيرِ الرِّكَابِ لَا تَفِي رِجْلُهُ شِبْرَا

وَمَيِّتَةِ الأَجْلَادِ يَحْيَا جَنِينُهَا

لأَوَّلِ حَمْلٍ ثُمَّ يُورِثُهَا عُقْرَا

وَأَشْعَثَ عَارِي الضَّرَّتَيْنِ مُشَجَّجٍ

بِأَيْدِي السَّبَايَا لَا تَرَى مِثْلَهُ جَبْرَا

كَأَنَّ عَلَى أَعْرَاسِهِ وَبِنَائِهِ

وَئِيدَ جِيَادٍ قُرَّحٍ ضَبَرَتْ ضَبْرَا

وَدَاعٍ دَعَانِي لِلنَّدَى وَزُجَاجَةٍ

تَحَسَّيْتُهَا لَمْ تَقْنَ مَاءً وَلَا خَمْرَا

وَذِي شُعَبٍ شَتَّى كَسَوْتُ فُرُوجَهُ

لِغَاشِيَةٍ يَوْماً مُقَطَّعَةً حُمْرَا

وَخَضْرَاءَ فِي وَكْرَيْنَ عَرْعَرْتُ رَأْسَهَا

لِأُبْلِيَ إِذْ فَارَقْتُ فِي صُحْبَتِي عُذْرَا

وَفَاشِيَةٍ فِي الأَرْضِ تَلْقَى بَنَاتِهَا

عَوَارِيَ لَا تُكْسَى دُرُوعاً وَلَا خُمْرَا

قَرَائِنَ أَشْبَاهاً غُذِينَ بِنَعْمَةٍ

مِنَ العَيْشِ إِلَّا أَنَّهَا خُلِقَتْ زُعْرَا

مُحَمْلَجَةَ الأَمْرَاسِ مُلْساً مُتُونُهَا

سَقَتْهَا عُصَارَاتُ الثَّرَى فَبَدَتْ عُجْرَا

إِذَا مَا المَطَايَا سُفْنَهَا لَمْ يَذُقْنَهَا

وَإِنْ كَانَ أَعْلَى نَبْتِهَا نَاعِماً نَضْرَا

وَأَقْصَمَ سَيَّارٍ مَعَ الحَيِّ لَمْ يَدَعْ

تَرَاوُحُ حَافَاتِ السَّمَاءِ لَهُ صَدْرَا

وَأَصْغَرَ مِنْ قَعْبِ الوَلِيدِ تَرَى بِهِ

قِبَاباً مُبَنَّاةً وَأَوْدِيَةً خُضْرَا

وَشِعْبٍ أَبَى أَنْ يَسْلُكَ الغُفْرُ بَيْنَهُ

سَلَكْتُ قُرَانِي مِنْ قَيَاسِرَةٍ سُمْرَا

وَمَرْبُوعَةٍ رِبْعِيَّةٍ قَدْ لَبَأْتُهَا

بِكَفَّيَّ مِنْ دَوِّيَّةٍ نَفَراً سَفْرَا

وَوَارِدَةٍ فَرْداً وَذَاتِ قَرِينَةٍ

تُبَيِّنُ مَا قَالَتْ وَمَا نَطَقَتْ شِعْرَا

وَبَيْضَاءَ لَمْ تَطْبَعْ وَلَمْ تَدْرِ مَا الخَنَا

تَرَى أَعْيُنَ الشُّبَّانِ مِنْ دُوَنِهَا خُزْرَا

إِذَا مَدَّ أَصْحَابُ الصِّبَا بِأَكُفِّهِمْ

إِلَيْهَا لِيُصْبُوهَا أَتَتْهُمْ بِهَا صِفْرَا

وَمُنْسَدِحٍ بَيْنَ الرَّجَا لَيْسَ يَشْتَكِي

إِذَا ضَجَّ وَابْتَلَّتْ جَوَانِبُهُ فَتْرَا

وَحَامِلَةٍ سِتِّينَ لَمْ تَلْقَ مِنْهُمُ

عَلَى مَوْطِنٍ إِلَّا أَخَا ثِقَةٍ بَدْرَا

وَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَا يُهِمُّهَا

وَإِنْ ضَلَّ لَمْ تَتْبَعْهُ فِي بَلَدٍ شِبْرَا

وَأَسْمَرَ قَوَّامٍ إِذَا نَامَ صُحْبَتِي

خَفِيفِ ثِيَابٍ لَا تُوَارِي لَهُ أُزْرَا

عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَهُ يَهْتَدِي بِهَا

جِمَاعَ أُمُورٍ لَا يُعَاصِي لَهَا أَمْرَا

إِذَا نَزَلَتْ قِيلَ انْزِلُوا وَإِذَا

عَدَتْ ذَاتُ بِرْزِيقٍ تَخَالُ بِهَا فَخْرَا

وَأَحْمَرَ مِلْءِ الكَفِّ أَوْ فِيهِ مِلْؤُهَا

دَعَوْتُ بِهَا صَحْبِي وَقَدْ وَضَحَتْ فَجْرَا