باسم الإله الملك الرحمن

ابن المعتز (عباسي)

الرجز

٤١٨ بيت

المتفرقات

حجم الخط

باسم الإله الملك الرحمن

ذي العز والقدرة والسلطان

الحمد لله على آلائه

أحمده والحمد من نعمائه

أبدع خلقا لم يكن فكانا

وأظهر الحجة والبيانا

وجعل الخاتم للنبوة

أحمد ذا الشفاعة المرجوه

الصادق المهذب المطهرا

صلى عليه ربنا فأكثرا

مضى وأبقى لبني العباس

ميراث ملك ثابت الأساس

برغم كل حاسد يبغيه

يهدمه كأنه يبنيه

هذا كتاب سير الإمام

مهذبا من جوهر الكلام

أعني أبا العباس خير الخلق

للملك قول عالم بالحق

قام بأمر الملك لما ضاعا

وكان نهبا في الورى مشاعا

مذللا ليست له مهابه

يخاف إن طنت به ذبابه

وكل يوم ملك مقتول

أو خائف مروع ذليل

أو خالع للعقد كيما يغنى

وذاك أدنى للردى وأدنى

وكم أمير كان رأس جيش

قد نغضوا عليه كل عيش

وكل يوم شغب وغصب

وأنفس مقتولة وحرب

وكم فتى قد راح نهبا راكبا

إما جليس ملك أو كاتبا

فوضعوا في رأسه السياطا

وجعلوا يردونه شطاطا

وكم فتاة خرجت من منزل

فغصبوها نفسها في المحفل

وفضحوها عند من يعرفها

وصدقوا العشيق كي يقرفها

وحصل الزوج لضعف حيلته

على نواحه ونتف لحيته

وكل يوم عسكرا فعسكرا

بالكرخ والدور مواتا أحمرا

ويطلبون كل يوم رزقا

يرونه دينا لهم وحقا

كذاك حتى أفقروا الخلافه

وعودوها الرعب والمخافه

فتلك أطلال لهم قفارا

ترى الشياطين بها نهارا

بالتل والجوسق والقطائع

كم ثم من دار لهم بلاقع

كانت تزار زمنا وتعمر

ويتقى أميرها المؤمر

وتصهل الخيل على أبوابها

ويكثر الناس على حجابها

وكم هناك والجا كريما

وراجعا مدفعا مظلوما

وواقفا ينظر من بعيد

مخافة العقاب والتهديد

حتى إذا ما ارتفع النهار

ضجت بها الأصوات والأوتار

ودارت السقاة بالمدام

وارتكبت عظائم الآثام

ثم انقضى ذاك كأن لم يفعل

والدهر بالإنسان ذو تنقل

فما بكت عليهم السماء

لما أتيح لهم القضاء

وكان قد مزق ثوب الملك

طوائف إيمانهم كالشرك

فمنهم فرعون مصر الثاني

عاصي الإله طائع الشيطان

والعلوي قائد الفساق

وبائع الأحرار في الأسواق

والدلفي العود والسفار

ومنهم إسحق البيطار

أعلم خلق الله بالماخور

وعدد مثلث وزير

وأعشق الناس لمن لا ينصره

حتى يطيل ليله ويسهره

ومنهم عيسى ابن شيخ وابنه

كلاهما لص حلال لعنه

يدعون للإيمام كل جمعة

ولا يردون إليه قطعه

وهم يجورون على الرعيه

فساد دين وفساد نيه

ويأخذون ما لهم صراحا

ويخضبون منهم السلاحا

ولم يزل ذلك دأب الناس

حتى أغيثوا بأبي العباس

الساهر العزم إذا العزم رقد

الحاسم الداء إذا الداء ورد

فجمع الرأي الذي تفرقا

وأبرأ الداء الذي أعيا الرقى

كم عزمة بنفسه أمضاها

لم يكل الأمر إلى سواها

كان لنا كأزدشير فارس

إذ جد في تجديد ملك دارس

حتى اتقوه كلهم بالطاعة

وصار فيهم ملك الجماعه

فلم يزل بالعلوي الخائن

المهلك المخرب المدائن

والبائع الأحرار في الأسواق

وصاحب الفجار والمراق

وقاتل الشيوخ والأطفال

وناهب الأرواح والأموال

ومالك القصور والمساجد

ورأس كل بدعة وقائد

حتى علا رأس القناة رأسه

وزال عنه كيده وبأسه

شيخ ضلال شر من فرعون

لحيته كذنب البرذون

إمام كل رافضي كافر

من مظهر مقالة وساتر

يلعن أصحاب النبي المهتدي

إلا قليلا عصبة لم تزدد

فكفر الناس سواهم عنده

فلعنة الله عليه وحده

ما زال حينا يخدع السودانا

ويدعي الباطل والبهتانا

وقال سوف أفتح السوادا

وأملك العباد والبلادا

ويدخلون عاجلا بغداذا

فلم ير الكذاب ذا ولا ذا

صاحب قوما كالحمير جهله

وكل شيء يدعيه فهو له

وقال إني أعلم الغيوبا

لم ير فيها عالما مجيبا

بعضهم يريد منه نفقه

ويترك الدرس عليه صدقه

فخرب الأهواز والأبله

وواسطا قد حل فيه حله

وترك البصرة من رماد

سوداء لا توقن بالميعاد

وأطعم الذبوح أطفال الناس

مكيدة منه فأعظم من باس

فواحد يشدخ بالعمود

وواحد يدخل في السفود

وبعضهم مسمط مربوط

وبعضهم في مرجل مسموط

وجعل الأسرى مكتفينا

أغراض نبل ومعلقينا

وبعضهم يحرق بالنيران

وبعضهم يلقى من الحيطان

وبعضهم يصلب قبل الموت

وبعضهم يإن تحت البيت

وهزم العساكر الجليله

بشدة البأس ولطف الحيله

ورامه موسى فما أطاقه

ومجه من فيه حين ذاقه

وقد سقى مفلح كأس القتل

وشكه بمخصف ذي نصل

وترك الأتراك بعد فقده

كذي يد قد قطعت من زنده

وقتل ابن جعفر منصورا

وكان قبل قتله كبيرا

من بعد ما صابر أي صبر

وأرجف الناس له بالنصر

والشيخ قد غرقه نصيرا

وقال حسبي فقد هذا خيرا

أعني غلاما لسعيد الأعورا

قد كان في الحروب موتا أحمرا

وكم سوى ذاك وهذاك وذا

أبادهم حتفا وقتلا هكذا

حتى إذا ما أسخط الإلها

وبلغت فتنته مداها

وشكت الأرض إلى السماء

ما فوقها من كثرة الدماء

وضاقت القلوب في الصدور

وأيقنت بحادث كبير

وارتفعت أيدي العباد شرعا

بعد الصلاة جمعا فجمعا

أغرى به الله هزبرا ضيغما

إذا رأى أقرانه تقدما

قد جرب الحروب حتى شابا

فإن دعاه حادث أجابا

لا عاجز الرأي ولا بليدا

لكن شجاعا يخضب الحديدا

فلم يزل عاما وعاما ثانيا

وثالثا يكابد الدواهيا

مجاهدا برأيه ونصله

وماله وقوله وفعله

حتى لقد سموه بالكناس

وعاينوا صعبا شديد الباس

مسائفا مطاعنا منابلا

مواقفا منازلا مجاولا

فكم له من شدة وحمله

وضربة وطعنة وقتله

إن رقدوا فإنه لا يرقد

أو قعدوا فإنه لا يقعد

يحبو المطيع ويبيد العاصيا

ويخضب السيوف والعواليا

ويقبل المستأمن المنيبا

ويغفر الزلات والذنوبا

ولا تراه ناقضا لعهده

ولا يشوب باطلا بجده

حتى قضى الله له بالفتح

من بعد طول تعب وكدح

ونصب الناس له القبابا

وشكروا المهيمن الوهابا

ثم سما من بعد للشآمين

فجرعوا من كأسه الأمرين

وعرفوا عند اللقاء صبره

وشده يوم الوغى وكره

سل عنه قيلا صرعوا بشيزرا

وآخرا وآخرا وآخرا

وراكبا على النجيب هاربا

لما رأى من فعله العجائبا

جاء من الشام إلى الفسطاط

يحث عدو الخيل بالسياط

وحارب الصفار بعد الزنج

فطار إلا أنه في سرج

وفر من قدامه فرارا

وكان قدما بطلا كرارا

وما نسينا مصرع الكفور

الجاهل المخلط المغرور

إذ قدر الخلاف والعصيانا

فزاده رب العلى هوانا

يكنى بصقر وأبوه بلبل

هذا لعمري باطل لا يقبل

ما زال في نخوته وتيهه

لا يأخذ الصواب من وجوهه

يجهور اللفظ إذا تكلما

ويزجر العافي والمسلما

أجرء خلق الله ظلما فاحشا

وأجور الناس عقابا بالوشا

يأخذ من هذا الشقي ضيعته

وذا يريد ما له وحرمته

وويل من مات أبوه موسرا

أليس هذا محكما مشهرا

وطال في دار البلاء سجنه

وقال من يدري بأنك إبنه

فقام جيراني ومن يعرفني

فنتفوا سباله حتى فني

وأسرفوا في لكمه ودفعه

وانطلقت أكفهم في صفعه

ولم يزل في أضيق الحبوس

حتى رمى إليهم بالكيس

وتاجر ذي جوهر ومال

كان من الله بحسن حال

قيل له عندك للسلطان

ودائع غالية الأثمان

فقال لا والله ما عندي له

صغيرة من ذا ولا جليله

وإنما ربحت في التجاره

ولم أكن في المال ذا خساره

فدخنوه بدخان التبن

وأوقدوه بثفال اللبن

حتى إذا مل الحياة وضجر

وقال ليت المال جمعا في سفر

أعطاهم ما طلبوا فأطلقا

يستعمل المشي ويمشي العنقا

ثم بنى من الغصوب دارا

فأصبحت موحشة قفارا

ما مات حتى انتهبت وهو يرى

وبلغوا في هدمها إلى الثرى

وأثبت الأعراب في الديوان

وقال إني من بني شيبان

مضطرب الآراء والأحوال

والزي والألفاظ والأفعال

يستعمل الغريب في خطابه

وغامضات النحو في كتابه

ويزجر الناس إذا تكلما

مفخما مجهورا مغلصما

كأنه قحطان أو معد

وداره تهامة أو نجد

وكان قد كنى ابنه بثعلب

كذا يكون العربي واقلب

وهو على الفطام ذو زئير

أبلغ للمجدي من التنور

مرسم ليافع طويل

مثل جناح الطائر المبلول

ثم إذا ما قام عن غذائه

وفرغت قهوته بمائه

تناول الريشة والطنبورا

فأضحك الصغير والكبيرا

وضاعت الأمور عند ذاكا

وأظهر التعطيل والإشراكا

ومدح أفلاطون والفلاسفه

وساعدته في هواه طائفه

وذكر السعود والنحوسا

والجوهر المعقول والمحسوسا

وذرع طول الأرض والأفلاك

وكم بلاد الصين والأتراك

والعرض الظاهر في التجسيم

والقول في طلائع النجوم

وذكر التعديل والإقامه

وقدموا النظام أو تمامه

واستثقلوا من قام للصلاة

فكيف من طول في القراة

وطعنوا في الفقه والحديث

وعجبوا من ميت مبعوث

فلم يزل ذلك دأب الجاهل

حتى رمي بسهم حتفن قاتل

فليت شعري كان ذا في لجمه

وكان ذا فيما يرى من علمه

سبحان من أراح منه الخلقا

فكيف يحيا مثله ويبقى

ثم استوت من بعده الخلافه

وزالت الرهبة والمخافه

وولي الملك إمام عادل

قائل كل حكمة وفاعل

مثل حسام العضب في جلائه

عدا به صيقله بمائه

فلقيت بيعته بالطاعه

ورضيت بذلك الجماعه

فأنفذت مصر إليه مالها

فأصلحت حصرا إليه حالها

وسارع الصفار بالإذعان

وقبل البيعة غير وان

واختار من جنوده كل بطل

مجرب إن حضر الموت قتل

ثم نفى كل دخيل قد مرق

إذا رأى السيف قضى من الفرق

فإن غدا من فوق ظهر ندب

كان إلى الأرض سريع الجنب

وإن رمى كان مريض السهم

ذا وتر رخو ضعيف الرجم

يضحك منه كل من يراه

ويشتهي برجاسه قفاه

وهربت سهامه من الهدف

كأنه يرمي برجل لا بكف

وإن بدا بالرمح كان أعجبا

تحسبه قردا يجر ذنبا

حتى إذا صغا خيار الجند

وقال يا حرب اهزلي وجدي

سار إلى الموصل ينوي أمرا

فملأ البر معا والبحرا

وكبس اللصوص والأفرادا

وأمن البلاد والعبادا

وجزعت من خوفه الفراعنه

وأصبحت سفن البحار آمنه

وكان في دجلة ألف ماخر

لم يعنها إلا جناح طائر

يجبون كل مقبل ومدبر

مجاهرين بفعال المنكر

كم تاجر روغهم بزورقه

فأغمدوا سيوفهم في مفرقه

وفرت الأعراب في البلاد

وءهلكوا إهلاك قوم عاد

فأودعوا السفن مكتفينا

مغللين ومصفدينا

وبعضهم مراقة دمائهم

قد عبقت بريحهم صحرائهم

وكلهم قد كان لصا عاديا

ما زال قدما يعمل الدواهيا

لما رأى من السيوف برقا

ملا السراويل الطوال ذرقا

فداسهم دوس الحصيد اليابس

بالخيل والرجال والفوارس

حتى أتى الموصل فاستهلت

لو قدرت صامت له وصلت

وأرسل الرسل إلى ابن عيسى

وكاد أن يجعله قسيسا

وهم أن يدخل أرض الروم

وظل في كرب وفي هموم

حتى افتدى حياته وأدى

مالا يهد الحاملين هدا

وورد الرسل مع الهدايا

من عنده فكان هذا رايا

فآثر الحياة والهوانا

وما هدا حتى رأى الأمانا

وجاء إسحاق مطيعا سامعا

ولم يجد شيئا سوى ذا نافعا

وقد أتى حمدان مثل هذا

فأدخلوه صاغرا بغداذا

وهدمت قلعته الحصينه

وأخذت نعمته الثمينه

ولم يدع من بعده هارونا

وكان رأيا للشراة حينا

مراوغا كالثعلب الجوال

مستبصرا في الكفر والضلال

يلعن عثمان ويبرا من علي

والله ذو الجلال منه قد بري

خليفة الأكراد والأعراب

وقائد الفجار والخراب

يدعونه أمير مؤمنينا

بل كافرا أمير كافرينا

حتى حواه كفه أسيرا

وألبسوه الوشي والحريرا

وأركبوه أكبر البهائم

مركب كسرى ملك الأعاجم

آكل خلق الله للعصائد

ومضغة اللحوم والسرائد

يشرب جبا ويعري مائده

وهي عليه في العشي عائده

حتى إذا قام إلى الحفيره

ألفي كعنز ربضت كسيره

بمثل هذا طلبوا الرياسه

وللحمير منه أضحوا ساسه

لا لمقالات وعقد دين

لكن لخدع الجاهل المفتون

فنزلوا منازلا عليه

وارتفعوا عن موضع الرعيه

وكان مما كان قبل رافع

الناكث العهد الغرور الخالع

غرس من الرفض زكا وأينعا

فاجتث من مكانه واقتلعا

إذا أراد فتنة لا يجترى

خوفا ويبدي غير ذاك ويرى

ما زال يبدي طاعة مريضه

وهو يرى عصيانها فريضه

حتى إذا ما استحكمت مرائره

وثقلت من دائه ضمائره

وقاد آلافا من الضلال

يعدهم للحرب والقتال

ناداه سلطان الأماني الكاذبه

وهي على رأس الشقي غالبه

وأظهر الخلاف والعصيانا

ونصرة الباطل والبهتانا

وبيض الزي على أجناده

فخلع السؤدد من سواده

وما الذي أنكر من تسويدنا

ومن عليه لج في تفنيدنا

وإنما كان حداد الهيم

على الحسين وعلى ابراهيم

وكم حوى من فجره وغيه

مذكرا بما حوت أميه

ولم يزل دهرا على ضلاله

ذا بطر لجنده وماله

يدعو إلى النبي علي الرضى

عنهم وعنا وجهه قد أعرضا

ولو أضاع الناس هذا الدنيا

لقعدوا يبغونه سنينا

فاختلفوا فقال قوم هذا

وقال قوم آخرون لا ذا

وضاعت الأحكام والشرائع

ولم يكن للناس أمر جامع

وقرت العين من الشيطان

بما يرى في أمة الإيمان

من خير آل أحمد المطهر

وارث كل عزة ومفخر

عليك لعن الخالق المهيمن

إلا بنو عم النبي المؤمن

ذاك سقى الله به عليا

وعمرا من السماء الريا

ونصبوه قائما يدعو لهم

فحقق الرحمن فيه سؤلهم

وهل رضا إلا أبو العباس

الواسع الحلم الشديد الباس

ما زال يأتي لك ما تريد

حتى أتى برأسه البريد

وابتهج الحق وأهل السنه

وشكروا والله تلك المنه

وأصبح الروافض الفجار

يخفون حزنا فوقه استبشار

ومن أياديه على الكبير

من العباد وعلى الصغير

والنازح الدار البعيد عنه

في كل أرض والقريب منه

تأخيره النيروز والخراجا

ولو أراد أخذه لراجا

تكرما منه وجودا شاملا

وحزم تدبير وحكما عادلا

وعيدنا بكل من كان ملي

مستأديا والزرع لم يسنبل

فكم وكم من رجل نبيل

ذي هيبة ومركب جليل

رأيته يعتل بالأعوان

إلى الحبوس وإلى الديوان

حتى أقيم في جحيم الهاجره

ورأسه كمثل قدر فائره

وجعلوا في يده حبالا

من قنب يقطع الأوصالا

وعلقوه في عرى الجدار

كأنه برادة في الدار

وصفقوا قفاه صفق الطبل

نصبا بعين شامت وخل

وحمروا نقرته بين النقر

كأنها قد خجلت ممن نظر

إذا استغاث من سعير الشمس

أجابه مستخرج برفس

وصب سجان عليه الزيتا

فصار بعد بزة كميتا

حتى إذا طال عليه الجهد

ولم يكن مما أراد بد

قال ئذنوا لي أسأل التجارا

قرضا وإلا بعتهم عقارا

وأجلوني خمسة أياما

وطوقوني منكم إنعاما

فضايقوا وجعلوها أربعه

ولم يؤمل في الكلام منفعه

وجائه المعينون الفجره

وأقرضوه واحدا بعشره

وكتبوا صكا ببيع الضيعه

وحلفوه بيمين البيعه

ثم تأدى ما عليه وخرج

ولم يكن يطمع في قرب الفرج

وجائه الأعوان يسألونه

كأنهم كانوا يذللونه

وإن تلكا أخذوا عمامته

وخمشوا أخدعه وهامته

فالآن زال كل ذاك أجمع

وأصبح الجور بعدل يقمع

ولا بنى بان من الخلائف

ولا ملوك الروم والطوائف

كما بنى من أعجب البناء

لا زال فينا دائم البقاء

فرجعت كغادة كعاب

تقر فيها أعين الأحباب

فمن رأى مثل الرباب قصرا

كم حكمة فيه تخال سحرا

والنهر والبستان والبحيره

قد جمع الماء إليها طيره

وللبزاة معها وقائع

فغائص في جوفها وواقع

وبعضها يذبح في الأكف

مأسورة قد رميت بحتف

وما رأى الراؤون مثل الشجره

ذات غصون مورقات مثمره

ولم تكن غرسا ترابه الثراء

ولم تكن من شجر يسقى بماء

لكنها تخبر عن حكيم

موفق مجرب عليم

مفكر من قبل أن يقولا

ويحسن التفهيم والتمثيلا

كأنها من شجرات الجنه

أنزلها إلهنا ذو المنه

والقبة العلياء والأترجه

ملك فيها أربعين حجه

وبالزبيدات فلا تنساها

قرة عين كل من رآها

أبنية فيها جنان الخلد

لكل ذي زهد وغير زهد

ريب عدوها بها وذعرا

وملأت عينيه لما نظرا

كانت على ساكنها دليلا

جليلة قد وضعت جليلا

ومذكرات لجنان الخلد

لطيفة ما إن لها من ند

ومظهرات قوة الإسلام

على رعاديه من الأنام

تخبر عن عز وعن تمكين

وحكمة مقرونة بالدين

كذاك كان فاعلا سليمان

إذ أمكنته حكمة وسلطان

والتبعيون وبخت نصر

وحكماء الروم والإسكندر

وملك الملوك أعني جعفرا

كفى به للفاخرين مفخرا

كم لهم من نهر وقصر

وأثر باق جديد الذكر

فلم يزل للعابرين عجبا

ومفخرا للوارثين حسبا

ومن أطاع رغبة ورهبه

أكثر من قوم أطاعوا حسبه

لا سيما إن طال عمر الأمه

ونظرت سلامة ونعمه

واختلفت وأحدثت أحداثا

والتاث أمر دينها التياثا

فما لذاك الداء من دواء

إلا امتزاج الخوف بالرجاء

وكلما فخم أمر المملكه

وجد ضغن للأعادي حنكه

ومعظم الفتوح فيه آمد

معقل كل فاجر معاند

لم تر قط مثلها مدينه

منيعة بسعدها حصينه

فلم يزل برأيه وحيله

وحزمه في قوله وعمله

يذوقها بالرفق أي ذوق

والجيش حول سورها كالطوق

حتى استغاثت بالأمان صاغره

وغمد السيف بكف قادره

وحاز منها كل ما كان جمع

فيها قديما لكع إبن لكع

نعم عفا عن إبن شيخ بعدما

قد نقض العهد الذي قد أحكما

ثم أتى الرقة ينوي أمرا

فلم يزل فيها مقيما شهرا

فزلزل الشام وعقر داره

وقربت منها شبا أظفاره

وبادرت مصر إلى رضائه

تنتظر الإصعاق من سمائه

وحملت أموالها إليه

وخافت البطشة من يديه

وعاد منصورا إلى الثريا

وكل ما أراد قد تهيا

وجائه الوزير والأمير

بغبطة فكمل السرور

مظفر من قد أبان مكرا

ومات خوفا منهما وذعرا

لما رأى الجيوش صار ثعلبا

يجر في كل البلاد ذنبا

وقتلا اللصوص والأكرادا

وعمرا من بعدها البلادا

لم ير قط صاحبا إمام

مثلهما في سائر الأنام

إلا أبا الحسين أعني قاسما

أحضر خلق الله رأيا حازما

ثلاثة للملك كالأثافي

قوادم ليست من الخوافي

دينهم الطاعة للخليفه

ونية ناصحة عفيفه

وحزمة في الرأي والمشوره

قديمة معروفة مشهوره

وانظر إلى التوفيق باختيارهم

والعلم بالناس وباختيارهم

وصالح بن مدرك قد أدركا

بما جناه ظالما وانتهكا

فكم ملب أشعث قد أحرما

يرجو من الله العطاء الأعظما

جاء إلى الكعبة من أرمينيه

ومن خراسان ومن إفريقيه

وعابد جاء من الشامات

قد سار في البر وفي الفرات

وتاجر مع حجه وعمرته

يطلب ربح ماله في سفرته

مقدر في الربح أضعاف الثمن

من قاصد صنعا إلى أرض عدن

فهم كذاك سائرون ظهرا

أو تحت ليل أو ضحى أو عصرا

إذ قال قد جاءكم الأعراب

وكثر الطعان والضراب

وصار في حجهم جهاد

واحمرت السيوف والصعاد

وصالح يسعر نار الحرب

في شر أعوان وشر صحب

فكم أباح من حريم ممنوع

وكم قتيل وجريح مصروع

وكم وكم من حرة حواها

سبية وزوجها يراها

وتاجر عريان يدعو بالحرب

لا مال أبقاه له إلا سلب

فلم يزل كيد الإمام يرقبه

يتركه طورا وطورا يطلبه

حتى إذا حاطت به آثامه

وقربت من الردى أيامه

دس إليه قاصدا أبا الأغر

بحيلة مكتومة عن البشر

قد راضها في قلبه زمانا

حتى إذا أتقنها إتقانا

أظهر ما في قلبه المقبول

فجائه برأسه المقتول

يميل مغروزا على القناة

كمثل نشوان على الأصوات

حتى إذا قارب عند العشر

في ملكه من السنين الزهر

وقمع الجور بحكم عادل

وملأ الدين بحق شامل

بدا له النبي في المنام

حلم يقين ليس كالأحلام

يشكره لحزمه ورأفته

وحسن ما يفعل في خلافته

بشارة دلت على الرضوان

من ربه ذي المن والإحسان

والله يولي الفضل من يشاء

بكل شيء سبق القضاء

فدفع الله الخطوب عنه

ونحن للسوء فداء منه

ثم حوى من بعد ذاك فارسا

كم نهب مال كان منه آيسا

وطالما كانت لعمري طعمه

يأكل منها ثمرات جم

وكان لا يحمل من أموالها

شيئا ويستقصي على استئصالها

سوى هدايا كل حول كامل

يشهرها في السوق والمحافل

رسوله كأنه قد أفلحا

وقد أتى بطائل وأنجحا

منها رمادي كميت قد صفن

وغلمة في القد يعلوهم درن

فإن عدا ذاك فباز أبيض

وفرس حافره مفضفض

ثم أتت سعادة الخليفة

وحيلة خفية لطيفه

وانقض إسماعيل من بلاده

إليه حتى صار في قياده

وهكذا عاقبه الطغيان

وطاعة الأنفس للشيطان

وجاء مال فارس موقرا

كعهده فيما مضى وأكثرا

وحمل الصفار في القيود

إلى إمام الأمة السعيد

ثم ابن زيد بعد ذاك قد قتل

لم ينجه حصن ولا رأس جبل

وأسلمته للسيوف والقنا

جند تخلوا عنه حين قد دنا

وطالما عاث وجار وعند

وقام يبغي الملك حينا وقعد

سل عنه كل كدة وحجر

في طبرستان وواد وعر

فكان ما قد كان أن يكونا

وصار حقا قتله يقينا

واسأل ثغور الشام عن وصيف

يخبر بفتح عجب ظريف

قال أريد الغزو وهو آبق

وليس يخفى كاذب من صادق

وقال ولوني في مكان

وجاهر الإسلام بالعصيان

وسار بل طار إليه عسكره

ما كان إلا بالعيان خبره

فعاين الموت الذي منه هرب

ومن يفوت قدرا إذا اقترب

فكم وكم من هارب ذليل

وكم أسير خاضع مغلول

وثابت إلى الأمام يعدو

وذله من قبله أشد

لما أتيح لوصيف خاقان

فعلمت كيف الرجال الخصيان

ومؤنس عاد به عليه

وغل من ساعته يديه

ولوصيف ووصيف أيضا

يد فقد خاض المنايا خوضا

من بعد ما أشجى وصيف في الوغى

سميه ولم يكن ممن بغى

ومات الافشين عليه حسره

وما بكت عين عليه قطره

وصار أيضا قد طغى بغيل

ذاك الذي تصحيفه نغيل

فوافق الخادم في الطريق

مقيدا أقبح من رقيق

وابن البغيل وأناس أخر

قد كسبوا من أرضهم وأسروا

فأدخلوا مدينة السلام

وآخذتهم ألسن الأنام

تخطر من تحتهم الجمال

وفوقهم قلانس طوال

والقرمطيون ذوو الآجام

صغوا فقد باؤوا مع الآثام

وشرعوا شرائع الفساد

وءهلكوا إهلاك قوم عاد

كانوا يقولون إذا قتلنا

صبرا على ملتنا رجعنا

من بعد أيام إلى أهلينا

فقبح الرحمن هذا الدينا

وضرط العنز على هذا الخبر

فهألاء الحمق من يأتي سقر

يجاهدون عن إمام مختفي

يقرب الوعد لهم ولا يفي

آل علي يا أبا علي

هذا لعمري سفه وعي

ليس يزيد الناس إن تروسوا

ولا يزيد الملك إن تسوسوا

ولا أراكم تحسنون ذاكا

كلا ولا إن تهلكوا إهلاكا

ولا تكونوا حطبا للنار

فرب أشرار من الأخيار

وأدخل الصفار شر مدخل

يإن من عص حديد مثقل

بغداد فوق جمل مغلولا

أول يوم من جمادى الأولى

وقال شادان وقد رآه

كما يحب كل من عاداه

ليث رماه الله ذو المعارج

بفالج قبل ركوب الفالج

وملك الروم أتى كتابه

بزلة تزفه أصحابه

فأدخلوا بغداد في شهر رجب

وأيقن الترك بصغر وغلب

وسأل الهدنة والفداء

فلم يجد من دائه شفاء

ثم بدا للسر من آل علي

مجانب فعال ذي الرشد التقي

حبذا وعادا بصنعاء اليمن

وباغ أجلاد وقتنا ذا درن

وناسجا للبرد والحبير

ومأكلا للبال في الهجير

أتباع إمرة وأسرى هدهد

إن حضروا لم يكرموا في المشهد

وحقروا لما عتوا وأشركوا

ففرقوا بغارة وءهلكوا

ضاعوا عن الإرشاد والتسديد

واقتبسوا خلائق القرود

وسمعوا نعقة غاو جاهل

فاتبعوه رغبة في الحاصل

فسلطوا ابن يعفر عليهم

وسار في عسكره إليهم

فأصبحوا كأنهم ما كانوا

جزاء ما قد فجروا وخانوا

وجاء بالفتح كتاب وارد

يصدقه الشد بريد جاهد

وأشخص الأمير نحو طاهر

يسحب أذيالا من العساكر

حتى نفاه من تخوم فارس

وبان عنها بضمير آيس

واستمع الآن حديث الكوفه

مدينة بعينها معروفه

كثيرة الأديان والأإمه

وهمها تشتيت أمر الأمه

مصنوعة بكفر بخت نصر

وكفر نمرود إمام الكفر

وعشش الشمر بها وفرخا

ثم بنى بأرضها ورسخا

وغرق العالم من تنورها

جزاء شر كان من شرورها

وهربت سفينة الطوفان

منها إلى الجودي والأركان

وهم بنوا للجور صرحا محكما

فاتخذوا إلى السماء سلما

ولم يزل سكانها فجارا

مستبصرا في الشرك أو سحارا

تفرقوا وبلبلوا بلبالا

وبدلوا من بعد حال حالا

وهم رموا في البئر إبراهيما

لما رأوا أصنامهم رميما

ودانيال طرحوا في الجب

كفرا وشكا منهم في الرب

وأخذوا وقتلوا عليا

العادل البر التقي الزكيا

وقتلوا الحسين بعد ذاكا

فأهلكوا أنفسهم إهلاكا

وجحدوا كتابهم إليه

وحرفوا قرآنهم عليه

ثم بكوا من بعده وناحوا

جهلا كذاك يفعل التمساح

فقد بقوا في دينهم حيارى

فلا يهود هم ولا نصارى

والمسلمون منهم براء

رافضة ودينهم هباء

فبعضهم قد جحد الرسولا

وغلطوا في فعله جبريلا

وبعضهم قالوا علي ربنا

وحسبنا ذلك دينا حسبنا

ومنهم الشراة والحراب

إن سمعوا ببيعة أجابوا

كم أسلموا من طالب مغرور

وهربوا في يوم حرب مشهور

وليس منهم سوى ابن النبي

وأنا أفديك بأمي وأبي

حتى إذا ما الحرب قامت سوقها

بالضرب والطعن وصاح بوقها

طاروا كما طار رماد الجمر

ووهبوه للرماح السمر

وابن أبي القوس لهم نبي

إمام عدل لهم مرضي

خفف عنهم من صلاة الفرض

وقال ناب بعضها عن بعض

فاذهب إلى الجسر تجده فارسا

على طمر لأسير جالسا

وتلك عقبى الغي والضلال

والكفر بالرحمن ذي الجلال

ثم انقضى أمر الإمام المعتضد

وكل عمر فإلى يوم نفد

ومات بعد مأتين قد خلت

في عام تسع وثمانين مضت

والحي منقاد إلى الفناء

ولرزق لا بد إلى انتهاء