متى يا قلبُ يطرقك المتابُ
إلى المولى ويرهبك العقابُ؟
وتزجرك العِظاتَ عن المعاصي
فمنك لفعلها كَثُر ارتكاب؟
أما في الحادثات لك اعتبارٌ؟
اما عن ذا الهوى آنَ اجتناب؟
لماذا عن دواعي الخير تأبى؟
وداعي الشرِّ منك له اقتراب
أما جافاك عن شرٍّ وعيدٌ
وفي الخيرات رغّبَك الثواب
فحتامَ على الغيِّ انكبابٌ؟
وحتامَ عن الرشد انقلاب؟
بهذا تبتغي مرضاةَ نفسٍ
لها في اللهو واللعب انسياب
تقودك للفجور ولا تبالي
بنارٍ لا يخفُّ لها التهاب
بكل قرينِ سوءٍ قد ألمّتْ
إلى أن صار بينهم اصطحاب
تروح لأجل شهوتها وتغدو
عليهم ما لها عنهم غياب
فبئسَ همُ إذا ذهبتْ إليهم
وان آبت فيا بئسَ الإياب
بها كلُّ الجوارح جارحاتٌ
لعِرض الدين فهو بها يُصاب
ومنه لكلِّ جارحةٍ نصيبٌ
فأمّا البطن فهي لها النصاب
وأما العينُ فهي بكلِّ عيبٍ
تعيب الناسَ وهي به تُعاب
وتعمى عن عيوب النفس طرّاً
وتسترها إذا كُشِف الحجاب
وليس لها عن العورات غضٌّ
وليس لها عن السوء احتجاب
وعمّا فيه كلُّ الخير عَشْوا
وكم في المومسات لها ارتقاب
وتسرحُ في المراسح والمغاني
فلا قرّتْ وأفعمها التراب
وأما الأذن فهي لكل شرٍّ
من القول الخبيث لها انجذاب
وصمَّتْ عن مقال الوعظ حقّاً
فلم تعِ ما به جاء الخطاب
وأمّا الأنف فهو على التمادي
له ريحُ السلافة مُستطاب
وأما ما حوى الفم فهْو دومًا
إلى زور المقال له انسحاب
فآونةً يغالي في مزاحٍ
وأخرى منه للناس اغتياب
ويحلفُ كاذبًا ألفي يمينٍ
ولا يخشى الإله ولا يُهاب
لسانٌ لا يكون له دواءٌ
سوى قطْعٍ وما في ذا ارتياب
وأما الكفُّ لليد فهو قطعًا
لأمتعة الأنام له اغتصاب
يمد ُّإلى المحارم كلَّ وقتٍ
ويجنيها وكم منه انتهاب
وأمّا الفرجُ فالفحشاء عمَّتْ
به وبذاك حلَّ بنا العذاب
وأمّا الرِّجلُ فهي إلى الخطايا
تمدّ الخطو عمدًا لا تَهاب
وسعيٌ في مساعي الشرِّ عدوًا
وفي الخيرات يعلوها اكتئاب
وهذا أصل منشئه فسادٌ
من الأهلين إذ هم ما أصابوا
أتوا ما حرَّم الله اجتراءً
وما تابوا وقد شابوا وعابوا
إذا نادى منادي الخير قاموا
إليه وهُم كَسالى بل غِضاب
وإن نادى منادي الشرِّهبُّوا
إليه بسرعةٍ وله استجابوا
قد اشتروا الضلالة باهتداءٍ
فما ربحتْ تجارتُهم وخابوا
وقد عكفوا على العصيان حتى
من الهفوات قد مُلئ الوِطاب
فكان لنسلهم ما كان فيهم
ولو طابت أصولهمُ لطابوا
قد اعتادوا عوائدَ مزرياتٍ
بدين الله حيث بها يُشاب
إذا اجتمعوا لذكر الله جاؤوا
بأشياءَ انتفى عنها الصواب
صراخٌ معْه تصفيقٌ ورقصٌ
وأحوالٌ بها هام الشباب
وبالكاسات والبازات ضربٌ
وبلبلةٌ لها العجَبُ العُجاب
قد ادَّعوُا الفَنا في الله وجدًا
وما صدقوا ولكن عنه غابوا
ومنشدُهم يردّد كلَّ قولٍ
به للهو واللغو اجتلاب
فيتّخذونه في كلِّ نادٍ
ويستمعون وهْو لهم طِلاب
وأكثرُ ما يُرى لهم اجتماعٌ
بأضرحة المشايخ وانكباب
خصوصًا في الموالد تلتقيهم
كثيرًا ليس يُحصيهم حساب
يكون البعض فوق البعض حتى
يضيق بكل ما فيه الرحاب
رجالٌ مع نساءٍ في اختلاطٍ
كبارٌ مع صغارٍ ذا مُصاب
وقد مزجوا زيارتَهم بزورٍ
عليه يُعاقبون ولن يُثابوا
فشاكٍ في زيارته وباكٍ
له حول المقاصير انتحاب
وقومٌ في توسٌّلِهم تغالَوا
وقومٌ في اعتقادهم استرابوا
وظنوا أنهم شركاءُ لل
هِ في أفعاله هذا انقلاب
وكلُّ الأوليا بُرآءُ منهم
لذا كثر الدعاء فلم يُجابوا
ولو أنا استقمنا ما انتُقِمنا
ولا بديارنا نزل انتياب
ولا صالت يد الأعداء حتى
لقد دانت لهم منا الرقاب
وصرنا بين أيديهم ضعافاً
كأنا الضأن والأعدا ذئاب
فيا لَلمسلمين لِنصر دينٍ
من الأعداء يعلوه اضطراب
وكيف وأنكم أنتم بنوه
به لكمُ انتماءٌ وانتساب؟
أما يكفي بني الإسلام أنّا
تركناه سُدًى وبذا نُعاب
أضعناه فشُوِّه وجهُه إذ
لأظفار العدوِّ به انتشاب
وهذا الفعل ليس يجوز شرعًا
ولا يرضى به الربُّ المهاب
ويا أسفًا كتابُ الله يُتلى
بقارعة الطريق ولا يُهاب
وبعضُ الناس لا يتلوه إلا
وصحبته الزجاجة والشراب
ومستمعوه لا يُصغون إلا
لمن هو بالخلاعة مُستطاب
أأقوامٌ يُرى بهمُ انحطاطٌ
ويوجد بينهم هذا الكتاب؟
وما هذا لعمرُ الله إلا
لأنهمُ أهانوه ورابوا
وقد ظهر الفساد فعمَّ برّاً
وبحرًا والصلاحُ له انتقاب