جُنَّ يا ليلُ واقتحمْ مقلتيَّا
دالَ عهدٌ سطوتَ فيه عليَّا
عدتُ لا أرهب الظلام فربّي
أنزل الفرقدين في محجريّا
صُلتَ ما صلتَ مُعْثرًا خطواتي
في الدياجي مكبّلاً راحتيّا
وتجبّرْتَ حاسبًا أنْ ستبقى
في عيوني ومهجتي سرمَديّا
فتماديتَ - آمنًا سطواتي -
بامتهاني كأنني لست شيّا
سؤتَ فألاً يا جيشُ حام فبدري
كسَح الأفقَ مُرفقًا بالثريّا
فانكفئْ داميَ الإهاب ذليلاً
عن سمائي وللفرار تَهيّا
حيث يبدو داودُ في هالة النو
رِ مَهيبًا يا فاطمَ الحسن هيّا
يهرب الليل ساترًا وجهه الجهْ
مَ ليسعى الصباح طلْقَ المُحَيّا
فابخلي بالشعاع يا نيّراتٌ
فمعينُ الضياء فِي ولديّا
يا حبيبيَّ أيُّ سحرٍ عراني
إذ تطلّعتما لِمامًا إليّا
فحسبت الزمانَ ميدانَ عمري
وعَصيَّ الآمال طوعَ يديّا
والصحارى القفراء روضًا أريضًا
ولظى القيظ ناسمًا عبهريّا
وعواءَ الذئاب لحنًا شجيّاً
وطعامَ الزقّوم أكلاً شهيّا
واعتساف الأقدار عدلاً ورفقًا
وشنوعَ الورى جمالاً سنيّا
يا لها نظرةً سرَتْ بكياني
فأعادت بناءَه ملكيّا
عكست طهرها عليه فأمسى
كلُّ ما يجتلي طهورًا نقيّا
فكأن الفؤاد غير فؤادي
وكأني بُدّلتُ من ناظريّا
وكأن الجحيم حالت نعيمًا
يلتقيني بالطيّبات حفيّا
وإذا الشعرُ همسةُ الغيب يُلقى
آيةً حيّةً على مِعصميّا
نُزِّهت عن زخارف الوهم حتى
ينشد الوهمُ فنّها الواقعيّا
فكفتني ارتيادَ عَبْقَرَ كيما
أسأل الجنّ شِعرها العبقريّا
خيرُ ما زان عبقرًا من كنوزٍ
عند كنزي أراه غَثّاً زريّا
أين ما صاده الخيال شريدًا
شاحبًا يذرع الفضاء القصيّا
من «كناريَّ» يلثغان فأروي
عنهما السحر فكرةً ورويّا
يا ملاكيَّ ما لغُرّ الأماني
زايَلتْ إذ بدوتما مقلَتَيّا
أتراها وهْي السرابُ تحاشت
خَجَلاً أن تُنافسَ الحسن حيّا
أيُّ أمنيةٍ تُراود قلبًا
بعضُ آلائه يشوق الثريّا
لم يعد مذ حواكما فيه ركنٌ
لنزيلٍ وإنْ خيالي فتيّا
نقد الله خمره فاصطفى لي
خير ما في دِنانِه من حُمَيّا
وأراني ثغريكما صائحًا بي
رِدْ رحيقي المعطَّر العلويّا
لم ترم جنتي فأشفقت أن لا
يهتك الشعرُ سترها الأبديّا
فأمرت السماء أن تهبط الأر
ضَ فتكسوك بُردها السندُسيّا
وكرامَ الأملاك أن تتجلّى
بَشَرًا ماثلاً لديك سويّا
يطمع الخَلْقُ هُجّدًا بجِناني
بعد نَشْرٍ خالوه يعقب طيّا
ووهبت الفردوس لحمًا وعظمًا
يمتع الخلد حسّك الآدميّا
فتنعّمْ يا شاعرَ الزهد وانظمْ
سورةَ الحمد بكرةً وعشيّا
يا صغيريَّ اطربا بنداءٍ
شيّقِ الوقع صاخبٍ مِسمَعيّا
واعلَقا بي وعرقلا خطواتي
واعلوا إن طفرتما منكبيّا
كي أعيدَ الزمانَ للخلف دَحرًا
نصفَ قرنٍ لكي أراني صبيّا
وأماشي العصور جيلاً فجيلاً
خالدًا أقتفي ذراري بنيّا
قد قهرت الردى فأطلقت قسرًا
بكما من إساره والديّا
فرأيت الرِّمام تُنشَر لمّا
جئتماني «سميّةً» و«سُميّا»
فلتثرْ أبحرُ الحياة فإني
سائرٌ فوقها على قدميّا
قد تفرّغت فالخطوب هباءٌ
إن تواثبتما عليَّ رديّا
فمراحي إن تمرحا فوق صدري
وخُلوّي أن تشغلا أصغريّا